تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨

قال تعالى : * ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) * ( 1 ) . وقال أيضاً : * ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) * ( 2 ) . فالعالم الربوبي هو مبدأ الوجود لهذا العالم وهو غايته ، فهو واقع في أوّل العلل الفاعليّة على مستوى قوس النزول ، كما أنّه واقع في آخر العلل الغائيّة على مستوى قوس الصعود ( 3 ) . ثمّ إنّ هذه الحركة التكامليّة باتّجاه المبدأ ، إنّما تكون حركة إراديّة واختياريّة تترتّب عليها المسؤوليّة والثواب والعقاب ، ومن هنا ينقسم قوس الصعود إلى درجات الجنّة ودركات الجحيم ، ومن هذا القوس الصعودي تبدأ الأسفار العمليّة الأربعة عند العرفاء ، وهي أسفار معنوية في الدرجات الطوليّة للوجود غايتها الوصول والانتهاء إلى المبدأ الحقّ سبحانه وتعالى . قال الله عزّ وجلّ : * ( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) * ( 4 ) . وقال أيضاً تبارك وتعالى : * ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) * ( 5 ) .

هامش
( 1 ) الأعراف : 29 .
( 2 ) السجدة : 5 .
( 3 ) لعلّ النكتة في إطلاق لفظ « القوس » على عمليّة النزول والصعود ، أنّ هناك عمليّة بدء وعود ، والمبدأ في المقام هو الغاية ، ولكي يصحّ تصوير البدء من نقطة والعود إليها لا بدّ أن يكون ذلك على شكل الدائرة ، فيكون نصفها الأوّل هو قوس النزول والنصف الآخر هو قوس الصعود ، ويكون العود والصعود من المبدأ الصدوري والنزولي متعقّلاً ، وهذا بخلاف ما لو عبّرنا عن النزول والصعود بالخطّ ، فإنّه لا يعقل العود حينئذٍ إلى ذات نقطة المبدأ والنزول ، لأنّ الخطّين المفروضين إمّا أن يكونا متعاكسين أو متوازيين أو متقاطعين ، وفي كلّ الأحوال يستحيل العود إلى نقطة المبدأ كما هو واضح ، فلا خصوصيّة للتعبير بالقوسين سوى أنّهما يقرّبان المعنى الذي ذكرناه .
( 4 ) العلق : 8 .
( 5 ) البقرة : 156 .