تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وذكر أشياء من أعمال البر من عملها غرس له في الجنة كذا وكذا شجرة وبقول الله تعالى حاكيا عن امرأة فرعون أنها قالت « رب ابن لي عندك بيتا في الجنة » قالوا ولو كانت مخلوقة لم يكن في الدعاء في استئناف البناء والغرس معنى ( قال أبو محمد ) وإنما قلنا أنهما مخلوقتان على الجملة كما أن الأرض مخلوقة ثم يحدث الله تعالى فيها ما يشاء من البنيان ( قال أبو محمد ) والبرهان على أنهما مخلوقتان بعد إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة ليلة الإسراء وأخبر عليه السلام أنه رأى سدرة المنتهى في السماء السادسة وقال تعالى عند سدرة المنتهى « عندها جنة المأوى » فصح أن جنة المأوى هي السماء السادسة وقد أخبر الله عز وجل أنها الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة قال تعالى « فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون » فليس لأحد بعد هذا أن يقول أنها جنة غير جنة الخلد وأخبر عليه السلام أنه رأى الأنبياء عليهم السلام في السماوات سماء سماء ولا شك في أن أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة فصح أن الجنات هي السماوات وكذلك أخبر عليه السلام أن الفردوس الأعلى من الجنة التي أمرنا الله تعالى أن نسأله إياها فوقها عرش الرحمن والعرش مخلوق بعد الجنة فالجنة مخلوقة وكذلك أخبر عليه السلام أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها بنفسين وأن ذلك أشد ما نجده من الحر والبرد وكان القاضي منذر بن سعيد يذهب إلى أن الجنة والنار مخلوقتان إلا أنه كان يقول أنها ليست التي كان فيها آدم عليه السلام وامرأته واحتج في ذلك بأشياء منها أنه لو كانت جنة الخلد لما أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين واحتج أيضا بأن جنة الخلد لا كذب فيها وقد كذب فيها إبليس وقال من دخل الجنة لم يخرج منها وآدم وامرأته عليهما السلام قد خرجا منها ( قال أبو محمد ) كل هذا لا دليل له فيه أما قوله أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين فقد علمنا أن أكله من الشجرة لم يكن ظنه فيه صوابا ولا أكله لها صوابا وإنما ظنا ولا حجة فيما كان هذه صفته والله عز وجل لم يخبره بأنه مخلد في الجنة بل قد كان في علم الله تعالى أنه سيخرجه منها فأكل عليه السلام من الشجرة رجاء الخلد الذي لم يضمن ولا تيقن به لنفسه وأما قوله أن الجنة لا كذب فيها وأن من دخلها لم يخرج منها
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 82 | ابن حزم