بعد الاقتصاص وأما دون الاقتصاص علي ما توجبه الموازنة وحرم الله عليه أن يخلد فيها ويكون من أهلها القاطنين فيها على ما بيننا قبل من قوله تعالى « لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى » « من يعمل سوءا يجز به » « وما كان الله ليضيع إيمانكم » ( وما تفعلوا من خير فلن تكفروا ) وقوله تعالى « يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها » فنص الآية أنها في الكفار هكذا في نص الآية
قال أبو محمد وأما الكفارة فإن الله تعالى قال « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما »
قال أبو محمد ومن المحال أن يحرم الله تعالى علينا أمرا ويفرق بين أحكامه ويجعل بعضه مغفورا باجتناب بعض ومؤاخذا به أن لم يجتنب البعض الآخر ثم لا يبين لنا المهلكات من غيرها فنظرنا في ذلك فوجدنا قوما يقولون أن كل ذنب فهو كبيرة
( قال أبو محمد ) وهذا خطأ لأن نص القرآن مفرق كما قلنا بين الكبائر وغيرها وبالضرورة ندري أنه لا يقال كبيرة إلا بالإضافة إلى ما هو أصغر منها والكبائر أيضا تتفاضل فالشرك أكبر مما دونه والقتل أكبر من غيره وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما لا يعذبان وما يعذبان في كبير وأنه لكبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة فأخبر عليه السلام أنهما كبير وما هما بكبير وهذا بين لأنهما كبيران بالإضافة إلى الصغائر المغفورة باجتناب الكبائر ولبسا بكبيرين بالإضافة إلى الكفر والقتل
( قال أبو محمد ) فبطل القول المذكور فنظرنا في ذلك فوجدنا معرفة الكبير من الذنوب مما ليس بكبير منها لا يعلم البتة إلا بنص وأراد فيها إذ هذا من أحكام الله تعالى التي لا تعرف إلا من عنده تعالى فبحثنا عن ذلك فوجدنا الله تعالى قد نص بالوعيد على ذنوب في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدنا ذنوبا آخر لم ينص عليها بوعيد فعلمنا يقينا أن كل ما توعد الله تعالى عليه بالنار أو توعد عليه رسوله صلى الله عليه وسلم بالنار فهو كبير وكل ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم باستعظامه فهو كبير كقوله عليه السلام اتقوا السبع الموبقات الشرك والسحر والقتل والزنا وذكر الحديث وكقوله عليه السلام عقوق الوالدين من الكبائر وكل ما لم يأت نص باستعظامه ولا جاء فيه وعيد بالنار فليس بكبير ولا
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 57
مساهمون: ابن حزم
ص٥٧