ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
( قال أبو محمد ) يقال لمن قال لا يكون مسلما إلا من استدل أخبرنا متى يجب عليه فرض الاستدلال أقبل البلوغ أم بعده ولا بد من أحد الأمرين فإما الطبري فإنه أجاب بأن ذلك واجب قبل البلوغ
( قال أبو محمد ) وهذا خطأ لأن من لم يبلغ ليس مكلفا ولا مخاطبا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة فذكر الصغير حتى يحتلم فبطل جواب الطبري رحمة الله وأما الأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم وتقشعر منها جلود أهل الإسلام وتصطك منها المسامع ويقطع ما بين قائلها وما بين الله عز وجل وهي انهم قالوا لا يلزم طلب الأدلة الا بعد البلوغ ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا المؤنة وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم فقالوا غير مساترين لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكا غير مصدق
( قال أبو محمد ) ما سمعنا قط في الكفر والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم أنه لا يكون أحد مسلما حتى يشك في الله عز وجل وفي صحة النبوة وفي هل رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق أم كاذب ولا سمع قط سامع في الهوس والمناقضة والاستخفاف بالحقائق فأقبح من قول هؤلاء أنه لا يصح الإيمان إلا بالكفر ولا يصح التصديق إلا بالجحد ولا يوصل إلى رضاء الله عز وجل إلا بالشك فيه وإن من اعتقد موقنا بقلبه ولسانه إن الله تعالى ربه لا إله إلا هو وإن محمدا رسول الله وإن دين الإسلام دين إلى الذي لا دين غيره فإنه كافر مشرك اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان فوالله لولا خذلان الله تعالى الذي هو غالب على أمره ما انطلق لسان ذي مسكة بهذه العظيمة وهذا يكفى من تكلف النقص لهذه المقالة الملعونة ومن بلغ هذا المبلغ حسن السكوت عنه ونعوذ بالله من الضلال ثم نقول لهم أخبرونا عن هذا الذي أوجبتم عليه الشك في فرض أو الشك في صحة النبوة والرسالة كم تكون هذه المدة التي أوجبتم عليه فيه البقاء شاكا مستدلا طالبا للدلائل وكيف إن لم يجد في قريته أو مدينته ولا في أقليمة محسنا للدلائل فرحل طالبا للدلائل فاعترضته أهوال ومخاوف وتعذر من بحر أو مرض فاتصل له ذلك ساعات وأياما وجمعا وشهورا وسنين ما قولكم في ذلك فإن حدوا في المدة يوما أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك كانوا متحكمين بلا دليل
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 41
مساهمون: ابن حزم
ص٤١