تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
صفته طلب البرهان لأن فرضا عليه طلب ما فيه نجاته من الكفر قال الله عز وجل « قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة » فقد افترض الله عز وجل على كل أحد أن يقي نفسه النار فهؤلاء قسم وهم الأقل من الناس والقسم الثاني من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكن قلبه إلى الإيمان ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله عز وجل له وتيسيرا لما خلق له من الخير والحسنى فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان ولا تكليف استدلال وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكرة والعباد وأصحاب الحديث الأيمة الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين ( قال أبو محمد ) هم الذين قال لهم الله فيهم « ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم » وقال تعالى « فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء » ( قال أبو محمد ) قد سمى الله عز وجل راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم وكره إليهم الكفر والمعاصي فضلا منه ونعمه وهذا هو خلق الله تعالى للايمان في قلوبهم ابتداه وعلى ألسنتهم ولم يذكر الله تعالى في ذلك استدلالا أصلا وبالله تعالى التوفيق وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم محققون في قلوبهم إن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل ما سمعوا منه ما يخالف الشريعة ويرون أن حرقهم بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حسا وشاهدناه في ذواتنا يقينا فلقد بقينا سنين كثيرة ولا نعرف الاستدلال ولا وجوهه ونحن ولله الحمد في غاية اليقين بدين الاسلام وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم نجد أنفسنا في غاية السكون إليه وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك ولقد كانت تخطر في قلوبنا خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان فنكاد لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعا لهما كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن ذلك فقالوا له أن أحدنا ليحدث نفسه