وقائلين بلا هدى من الله تعالى ولم يعجز أحد عن أن يقول في تحديد تلك المدة بزيادة أو نقصان ومن بلغ ها هنا فقد ظهر فساد قوله وإن قالوا لا نحد في ذلك حدا قلنا لهم فإن امتد كذلك حتى فنى عمره ومات في مدة استدلاله التي حددتم له وهو شاك في الله تعالى وفي النبوة أيموت مؤمنا ويحب له الجنة أم يموت كافرا وتجب له النار فإن قالوا يموت مؤمنا تجب له الجنة أتوا بأعظم الطوام وجعلوا الشكاك في الله الذين هم عندهم شكاك مؤمنين من أهل الجنة وهذا كفر محض وتناقض لاخفاء به وكانوا مع ذلك قد سمعوا في أن يبقى المرء دهره كله شاكا في الله عز وجل وفي النبوة والرسالة فإن قالوا بل يموت كافرا تجب له النار قلنا لهم لقد أمر تموه بما فيه هلاكه وأوجبتم عليه ما فيه دماره وما يفعل الشيطان الا هذا في أمره بما يؤدى إلى الخلود في النار بل هو في حكم أهل الفترة قلنا لهم هذا باطل لأن أهل الفترة لم تأتهم النذارة ولا بلغهم خبر النبوة والنص إنما جاء في أهل الفترة ومن زاد في الخبر ما ليس فيه فقد كذب على الله عز وجل ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق ما حد الاستدلال الموجب لاسم الإيمان عندكم وقد يسمع دليلا عليه اعتراض أيجزيه ذلك لدليل أم لا فإن قالوا يجزيه قلنا لهم ومن أين وجب أن يجزيه وهو دليل معترض فيه وليس هذه الصفة من الدلائل المخرجة عن الجهل إلى العلم بل هي مؤدية إلى الجهل الذي كان عليه قبل الاستدلال فإن قالوا بل لا يجزيه إلا حتى يوقن أنه قد وقع على دليل لا يمكن الاعتراض فيه تكلفوا ما ليس في وسع أكثرهم وما لا يبلغه إلا قليل من الناس في طويل من الدهر وكثير من البحث ولقد درى الله تعالى أنهم أصفار من العلم بذلك يعني أهل هذه المقالة الملعونة الخبيثة
( قال أبو محمد ) ومن البرهان الموضح لبطلان هذه المقالة الخبيثة أنه لا يشك أحد ممن يدري شيئا من السير من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمنانية والدهرية في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ بعث لم يزل يدعو الناس الجماء الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبما أني به ويقاتل من أهل الأرض من يقاتله ممن عند ويستحل سفك دمائهم وسبى نسائهم وأولادهم وأخذ أموالهم متقربا إلى الله تعالى بذلك وأخذ الجزية واصغاره ويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده ويحكم له بحكم الإسلام وفيهم المرأة البدوية والراعي الراعية والغلام
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 42
مساهمون: ابن حزم
ص٤٢