لنا إلى الايتساء بهم عليهم السلام لا يمنع من وقوع السهو منهم لأن الايتساء بالسهو لا يمكن إلا بسهو منا ومن المحال أن نندب إلى السهو أو نكلف لسهو لأننا لو قصدنا إليه لم يكن حينئذ سهوا ولا يجوز أيضا أن ننهى عن السهو لأن الانتهاء عن السهو ليس في بنيتنا ولا في وسعنا وقد قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ونقول أيضا إننا مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سها وأيضا فإن الله تعالى لا يقر الأنبياء عليهم السلام على السهو بل ينبههم في الوقت ولم يفعل ذلك تعالى لكان لم يبين لنا مراده منا في الدين وهذا تكذيب لله عز وجل إذ يقول تعالى تبيانا لكل شيء وإذ يقول اليوم أكملت لكم دينكم وقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم .
قال أبو محمد فسقط قول من نسب إلى الأنبياء عليهم السلام شيئا من الذنوب بالعمد صغيرها وكبيرها إذا لم يبق لهم شبهة يموهون بها أصلا وإذ قد قامت البراهين على بطلانها ولحقوا بذي الخويصرة .
قال أبو محمد ولو كان من الأنبياء عليهم السلام شيء من المعاصي وقد ندبنا إلى الايتساء بهم وبأفعالهم لكنا قد أبيحت لنا المعاصي وكنا لا ندري لعل جميع ديننا ضلال وكفر ولعل كل ما عمله عليه السلام معاص ولقد قلت يوما لبعضهم ممن كان يجيز عليهم الصغائر بالعمد أليس من الصغائر تقبيل المرأة الأجنبية وقرصها فقال نعم قلت تجوز أنه يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل امرأة غيره متعمدا فقال معاذ الله من هذا ورجع إلى الحق من حينه والحمد لله رب العالمين .
قال أبو محمد قال الله تعالى « إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما »
قال أبو محمد ومن الباطل المحال أن يتم الله نعمته على عبد ويعصي الله بما كبر وما صغر إذ لو كان ذلك لما كانت نعمة الله تعالى عليه تامة بل ناقصة إذ خذله فيما عصي فيه وقال تعالى « إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه » وقال الله تعالى « قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم » .
قال أبو محمد وما وقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد بلغ الغاية القصوى في الاستهزاء
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 29
مساهمون: ابن حزم
ص٢٩