تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
لأحدنا مثل أحد ذهبا فأنفقه لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه فإذا هذا كما قلنا فقول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم أحق بالتصديق لا سيما مع قوله عليه السلام ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد إلا يحيى بن زكريا فنحن نقطع قطعا بما ذكرنا أنه لا سبيل إلى أن يبلغ أحد حد التكليف إلا ولا بد له من أن يجترح سيئآت الله أعلم بها وبالله التوفيق . قال أبو محمد ومن البرهان على أنه لم يكن البتة أن يعصي نبي قوله صلى الله عليه وسلم ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين لما قال له الأنصاري هلا أومأت إلي في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فنفى عليه السلام عن جميع الأنبياء عليهم السلام أن تكون لهم خائنة الأعين وهو أخف ما يكون من الذنوب ومن خلاف الباطن للظاهر فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها أو كبيرها سرها وجهرها . قال أبو محمد وأيضا فإننا مندوبون إلى الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام وإلى الايتساء بهم في أفعالهم كلها قال الله تعالى « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر » وقال تعالى « أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده » فصح يقينا أنه لو جاز أن يقع من أحد من الأنبياء عليهم السلام ذنب تعمدا صغيرا وكبيرا كان الله عز وجل قد حضنا على المعاصي وندبنا إلى الذنوب وهذا كفر مجرد ممن أجازه فقد صح يقينا أن جميع أفعال الأنبياء التي يقصدونها خير وحق . قال أبو محمد وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عظيم انكاره على ذي الخويصرة لعنة الله ولعن أمثاله إذ قال الكافر أعدل يا محمد ان هذا لقسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك من يعدل إذا أنا لم أعدل يأمنني الله ولا تأمنوني وقوله عليه السلام لأم سلمة أم المؤمنين إذ سألته عن الذي قبل امرأته في رمضان إلا أخبرتها أني فعلت ذلك وغضب عليه السلام إذ قال له لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فأنكر عليه السلام إذ جعل له ذنبا بعمد وإن صغر وقال عليه السلام إني والله لأعلمكم بالله وأتقاكم الله أو كلاما هذا معناه فان قال قائل فهلا نفيتم عنهم عليهم السلام السهو بدليل الندب إلى الايتساء بهم عليهم السلام قلنا وبالله تعالى التوفيق انكار ما ثبت كإجازة ما لم يثبت سواء ولا فرق والسهو منهم قد ثبت بيقين وأيضا فإن ندب الله تعالى
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 28 | ابن حزم