بقتلهم وذكروا أنه عليه السلام مال إلى رأي أبي بكر في الفدا والاستبقاء وبقوله تعالى « ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر » قالوا فإن لم يكن له ذنب فماذا غفر له وبأي شيء أمتن الله عليه في ذلك وبقوله صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى ما دعي إليه يوسف لأجبت فإنما هذا إذ دعي إلى الخروج من السجن فلم يجب إلى الخروج حتى قال للرسول ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهم أن ربي بكيدهن عليم فأمسك عن الخروج من السجن وقد دعي إلى الخروج عنه حتى اعترف النسوة بذنبهن وبراءته وتيقن بذلك ما كان شك فيه فأخبر محمد صلى الله عليه وسلم أنه لو دعي إلى الخروج من السجن لأجاب وهذا التفسير منصوص في الحديث نفسه كما ذكرنا من كلامه عليه السلام لو لبثت في السجن ما لبث يوسف عليه السلام ثم دعيت لأجبت الداعي أو كلاما هذا معناه واما قول الله عز وجل « ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر » فقد بينا ان ذنوب الأنبياء عليهم السلام ليست الا ما وقع بنسيان أو بقصد إلى ما يظنون خيرا مما لا يوافقون مراد الله تعالى منهم فهذان لوجهان هما اللذان غفر الله عز وجل له وأما قوله « لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم » فإنما الخطاب في ذلك للمسلمين لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان ذلك إذ تنازعوا في غنائم بدر فكانوا هم المذنبين المتشتتين عليه يبين ذلك قوله تعالى « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » وقوله تعالى في هذه السورة نفسها النازلة في هذا المعنى « يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون » وقوله تعالى قبل ذكره الوعيد بالعذاب الذي احتج به من خالفنا « تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة » فهذا نص القرآن وقد رد الله عز وجل الأمر في الأنفال المأخوذة يومئذ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الخبر المذكور الذي فيه لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة ولو نزل عذاب ما نجي منه إلا عمر فهذا خبر لا يصح لأن المنفرد بروايته عكرمة بن عمار اليمامي وهو ممن قد صح عليه وضع الحديث أو سوء الحفظ أو الخطأ الذي لا يجوز معهما الرواية عنه ثم لو صح لكان القول فيه كما قلنا من أنه قصد الخير بذلك وأما قوله « عبس وتولى » الآيات فإنه كان عليه السلام قد جلس إليه عظيم من عظماء قريش ورجا اسلامه وعلم عليه السلام أنه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 22
مساهمون: ابن حزم
ص٢٢