الناسخ وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة فقد ادعى الباطل وقفا ما لا علم له به فقال على الله ما لم يعلم وهذا لا يحل ولو كان هذا لما أخلا الله عز وجل هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى في القرآن تبيانا لكل شيء وبرهان أخر وهو أن الله عز وجل قال « وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء » لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرض قتال الفئة الباغية محكمة غير منسوخة فصح أنها الحاكمة في تلك الأحاديث فما كان موافقا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت وما كان مخالفا لها فهو المنسوخ المرفوع وقد ادعى قوم أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان
قال أبو محمد وهذا باطل متيقن لأنه قول بلا برهان وما يعجز مدع أن يدعي في تلك الأحاديث أنها في قوم دون قوم وفي زمان دون زمان والدعوى دون برهان لا تصح وتخصيص النصوص بالدعوى لا يجوز لأنه قول على الله تعالى بلا علم وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سائلا سأله عن من طلب ماله بغير حق فقال عليه السلام لا تعطه قال فإن قاتلني قال قاتله فإن قتله قال إلى النار قال فإن قتلني قال فأنت في الجنة أو كلاما هذا معناه وصح عنه عليه السلام أنه قال المسلم أخو المسلم لا يسلبه ولا يظلمه وقد صح أنه عليه السلام قال في الزكاة من سألها على وجهها فليعطها ومن سألها على غير وجهها فلا يعطها وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يبطل تأويل من تأويل أحاديث القتال عن المال على اللصوص لا يطلبون الزكاة وإنما يطلبه السلطان فاقتصر عليه السلام معها إذا سألها على غير ما أمر به عليه السلام ولو اجتمع أهل الحق ما قاواهم أهل الباطل نسأل الله المعونة والتوفيق
( قال أبو محمد ) وما اعترضوا به من فعل عثمان فما علم قط أنه يقتل وإنما كان يراهم يحاصرون فقط وهو لا يرون هذا اليوم للإمام العدل بل يرون القتال معه ودونه فرضا فلا حجة لهم في أمر عثمان رضي الله عنه وقال بعضهم أن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر فقال لهم الآخرون كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 174
مساهمون: ابن حزم
ص١٧٤