والزهد والعلم والشجاعة والسخاء والحلم والعفة والصبر والصرامة وغير ذلك ولا يوجد أحد يبين في جميعها بل يكون بائنا في بعضها ومتأخرا في بعضها ففي أيها يراعى الفضل من لا يجيز إمامة المفضول فإن اقتصر على بعضها كان مدعيا بلا دليل وإن عم جميعها كلف من لا سبيل إلى وجوده أبدا في أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ لا شك في ذلك فقد صح القول في إمامة المفضول وبطل قول من قال غير ذلك وبالله تعالى التوفيق
( قال أبو محمد ) وذكر الباقلاني في شروط الإمامة أنها أحد عشر شرطا وهذا أيضا دعوى بلا برهان وما كان هكذا فهو باطل فوجب أن ينظر في شروط الإمامة التي لا تجوز الإمامة لغير من هن فيه فوجدناها أن يكون صليبة من قريش لإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإمامة فيهم وأن يكون بالغا مميزا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق وأن يكون رجلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة وأن يكون مسلما لأن الله تعالى يقول « ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا » والخلافة أعظم السبيل ولأمره تعالى بإصغار أهل الكتاب وأخذهم بأداء الجزية وقتل من لم يكن من أهل الكتاب حتى يسلموا وأن يكون متقدما لأمره عالما بما يلزمه من فرائض الدين متقيا لله تعالى بالجملة غير معلن بالفساد في الأرض لقول الله تعالى « وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان » لأن من قدم من لا يتقي الله عز وجل ولا في شيء من الأشياء معلنا بالفساد في الأرض غير مأمون أو من لا ينفذ أمرا من لا يدري شيئا من دينه فقد أعان على الإثم والعدوان ولم يعن على البر والتقوى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ورد وقال عليه السلام يا أبا ذر إنك ضعيف لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وقال تعالى « فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا » الآية فصح أن السفيه والضعيف ومن لا يقدر على شيء فلا بد له من ولي ومن لا بد له من ولي فلا يجوز أن يكون وليا للمسلمين فصح أن ولاية من لم يستكمل هذه الشروط الثمانية باطل لا يجوز ولا ينعقد أصلا ثم يستحب أن يكون عالما بما يخصه أمور الدين من العبادات والسياسة والأحكام مؤديا لفرائض كلها لا يخل بشيء منها مجتنبا لجميع الكبائر سرا وجهرا مستترا بالصغائر إن كانت منه فهذه أربع صفات
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 166
مساهمون: ابن حزم
ص١٦٦