تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ثم تأخر فصار في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فلما سلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعك أن تثبت حين أمرتك فقال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال أبو محمد ) فهذا غاية التعظيم والطاعة والخضوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنكر عليه السلام ذلك عليه وإذ قد صح بالبرهان الضروري الذي ذكرنا أن أبا بكر أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وجب أنه أخشاهم لله عز وجل قال الله عز وجل « إنما يخشى الله من عباده العلماء » والتقى هو الخشية لله عز وجل وقال قائلون علي كان أزهدهم ( قال أبو محمد ) كذب هو الجاهل وبرهان ذلك أن الزاهد إنما هو عزوب النفس عن حب الصوت وعن المال وعن اللذات وعن الميل إلى الولد والحاشية ليس الزاهد معنى يقع عليه اسم الزهد إلا هذا المعنى فإما عزوب النفس عن المال فقد علم كل من له أدنى بصر بشيء من الأخبار الخالية ان أبا بكر أسلم وله مال عظيم قيل أربعين ألف درهم فأنفقها كلها في ذات الله تعالى وأعتق المستضعفين من العبيد المؤمنين المعذبين في ذات الله عز وجل ولم يعتق عبيدا جلدا يمنعونه لكن كل معذب ومعذبة في الله عز وجل حتى هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق لأبي بكر من جميع ما له إلا ستة ألف درهم حملها كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق لبنيه منها درهم ثم أنفقها كلها في سبيل الله عز وجل حتى لم يبق له شيء سوى عباءة له قد خللها بعود إذا نزل افترشها وإذا ركب لبسها إذ تمول غيره من الصحابة رضي الله عن جميعهم واقتنوا الرباع الواسعة والضياع العظيمة من حلها وحقها إلا أن من آثر بذلك سبيل الله عز وجل أزهد ممن أنفقت وأمسك ثم ولى الخلافة فما اتخذ جارية ولا توسع في مال وعد عند موته وما أنفق على نفسه وولده من مال الله عز وجل الذي لم يستوف منه إلا بعض حقه وأمر بصرفه إلى بيت المال من صلب ماله الذي حصله من شهامة المغازي والمقاسم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الزهد في اللذات والمال الذي لا يدانيه فيه أحد من الصحابة لا علي ولا غيره إلا أن يكون أبا ذر وأبا عبيدة من المهاجرين الأولين فإنهما جريا على هذه الطريقة التي فارقا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوسع من سواهم من الصحابة رضي الله عنهم في المباح الذي أحله الله عز وجل لهم إلا من آثر سبيل الله على نفسه