تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وردوا الأمر في ذلك إلى الله عزو جل صدقوا وهذا هو قولنا أن كل ما فعله الله تعالى من تكليف ما لا يطاق وتعذيبه عليها وخلقه الكفر والظلم في الكافر والظالم وإقراره كل ذلك ثم تعذيبهما عليه وخلقه الكفر وغضبه منه وسخطه إياه كل ذلك من الله تعالى حكمه وعدل وحق وممن دونه تعالى سفه وظلم وباطل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وأما قولهم أن من فعل شيئا وجب أن ينسب إليه ويسمى به نفسه وأنه لا يعقل ولا يوجد غير هذا وإيجابهم بهذا الاستدلال أن يسمى الله تعالى ظالما لأنه خلق الظلم وكذلك من الكفر والكذب فهذا ينتقض عليهم من وجهين أحدهما أن هذا تشبيه محض لأنهم يريدون أن يحكموا على الباري تعالى بالحكم الموجود الجاري على خلقه ويقال لهم إذ لم تجدوا فاعلا في الشاهد إلا جسما ولا عالما إلا بعلم هو غيره ولا حيا إلا بحياة هي عرض فيه ولا مخبرا عنه إلا جسما أو عرضا وما لم يكن كذلك فهو معدوم ولا يتوهم ولا يعقل ثم رأيتم الباري تعالى بخلاف ذلك كله ولم تحكموا عليه بالحكم فيما وجدتم فقد وجب ضرورة أن لا يحكم عليه تعالى بالحكم علينا في أن يسمى من افعاله ولا في أن ينسب إليه كما ينسب إلينا بلا خلاف ذلك بالبرهان الضروري وهو أن الله عز وجل خلق كل ما خلق من ذلك مخترعا له كيفية مركبة في غيره فهكذا هو فعل الله تعالى فيما خلق وأما فعل عباده لما فعلوا فإنما معناه أنه ظهر ذلك الفعل عرضا محمولا في فاعله لأنه إما حركة في متحرك وإما سكون في ساكن أو اعتقاد في معتقد أو فكر في متفكر أو إرادة في مريد ولا مزيد فبين الأمرين بون بائن لا يخفى على من له أقل فهم وأما المدح والذم واشتقاق اسم الفاعل من فعله فليس كما ظنوا لكن الحق هو أنه لا يستحق أحد مدحا ولا ذما إلا من مدحه الله تعالى أو ذمه وقد أمرنا الله تعالى بحمده والثناء عليه فهو عز وجل محمود على كل ما فعله
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 71 | ابن حزم