إلى أنفسنا فقد خاب وخسر من ظن في نفسه أنه قد استكمل القوى حتى استغنى عن أن يزيده الله تعالى توفيقا وعصمة ولم يحتج إلى خالقه في أن يصرف عنه فتنته ولا كيده لا سيما من جعل نفسه أقوى على ذلك من خالقه تعالى ولم يجعل عند خالقه قوة يصرف بها عنه كيد الشيطان نعوذ بالله مما امتحنهم به ونبرأ إلى الله خالقنا تعالى من الحول والقوة كلها إلا ما أتانا منها متفضلا علينا وأما كل ما جاء في القرآن من إضلال الشياطين للناس وأنسائهم إياهم ذكر الله تعالى وتزينهم لهم ووسوستهم وفعل بعض الناس ذلك ببعض فصحيح كما جاء في القرآن دون تكلف وهذا كله القاء لما ذكرنا في قلوب الناس وهو من الله تعالى خلق لكل ذلك في القلوب وخالق لأفعال هؤلاء المضلين من الجن والإنس وكذلك قوله تعالى « حسدا من عند أنفسهم » لأنه فعل أضيف إلى النفس لظهوره منها وهو خلق الله تعالى فيها فإن ذكروا قول الله تعالى « وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون » فهو كما قال الله عز وجل وهو حجة على المعتزلة لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضل قوما حتى يبين لهم ما يتقون وما يلزمهم وصدق الله عز وجل لأن المرء قبل أن يأتيه خبر الرسول غير ضال بشيء مما يفعل أصلا فإنما سمى الله تعالى فعله في العبد إضلالا بعد بلوغ البيان إليه لا قبل ذلك وبالله التوفيق فصح بهذه الآية أنه تعالى يضلهم بعد أن يبين لهم وقد فسر بعضهم الإضلال بأنه منع اللطف الذي يقع به الإيمان فقط
قال أبو محمد ونصوص القرآن تزيد على هذا المعنى زيادة لا شك فيها وتوجب أن الإضلال معنى زائد أعطاه الله للكفار والعصاة وهو ما ذكرنا من تضييق الصدور وتخريجها والختم على القلوب والطبع عليها وأكنانها عن أن يفقهوا الحق فإن قالوا إن هذا فعل النفوس كلها إن لم يمدها الله تعالى بتوفيق قلنا لهم من خلقها هذه الخلقة المفسدة فإن لم يؤيدها
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 48
مساهمون: ابن حزم
ص٤٨