تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 3

مساهمون:

ص٣
والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية وهو معنى الإحاطة وليس هذا المعنى في النظر والرؤية فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة برهان ذلك قول الله عز وجل « فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين » ففرق الله عز وجل بين الإدراك والرؤية فرقا جليا لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله « فلما تراءى الجمعان » وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤيا لبني إسرائيل ونفى الله الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم « كلا إن معي ربي سيهدين » فأخبر الله تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى عز وجل فهو غير الذي أثبته فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا هو قول الله تعالى « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » واعترض بعض المعتزلة وهو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي فقال أن إلى ها هنا ليست حرف جر لكنها اسم وهي واحدة الآلاء وهي النعم فهي في موضع مفعول ومعناه نعم ربها منتظرة قال أبو محمد وهذا بعيد لوجهين أحدهما إن الله تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة والنعمة نعمة فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لها وإنما ينتظر ما لم يقع بعد والثاني تواتر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن المراد بالنظر هو الرؤية لا ما تأوله المتأولون وقال بعضهم أن معناها إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة قال أبو محمد هذا فاسد جدا لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته قال أبو محمد وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله فإن قال قائل أن حمل اللفظ على المعهود أولى من حمله على غير المعهود قيل له الأولى في ذلك حمل الأمور على معهودها في اللغة ما لم يمنع من ذلك نص أو إجماع أو ضرورة لم يأت نص ولا