والمشاهدة الضرورية فأما القرآن فإن الله عز وجل يقول « ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله » وقال تعالى « وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون » فأخبر تعالى بأنهم يصدقون بالله تعالى وهم مع ذلك مشركون وقال تعالى « وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم »
قال أبو محمد هذه شهادة من الله مكذبة لقول هؤلاء الضلال لا يردها مسلم أصلا
قال أبو محمد وبلغنا عن بعضهم أنه قال في قول الله تعالى « يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » إن هذا إنكار من الله تعالى لصحة معرفتهم بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وذلك لأن الرجال لا يعرفون صحة أبنائهم على الحقيقة وإنما هو ظن منهم
قال أبو محمد وهذا كفر وتحريف للكلم عن مواضعه ويرد ما شئت منه
قال أبو محمد فأول ذلك أن هذا الخطاب من الله تعالى عموم للرجال والنساء من الذين أوتوا الكتاب لا يجوز أن يخص به الرجال دون النساء فيكون من فعل ذلك مفتريا على الله تعالى وبيقين يدري كل مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى النساء كما بعث إلى الرجال والخطاب بلفظ الجمع المذكر يدخل فيه بلا خلاف من أهل اللغة النساء والرجال وقد علمنا أن النساء يعرفن أبناءهن على الحقيقة بيقين والوجه الثاني هو أن الله تعالى لم يقل كما يعرفون من خلقنا من نطفتهم فكان يسوغ لهذا الجاهل حينئذ هذا التمويه البارد باستكراه أيضا وإنما قال قال تعالى كما يعرفون أبنائهم فأضاف تعالى النبوة إليهم فمن لم يقل أنهم أبناءهم بعد أن جعلهم الله أبناءهم فقد كذب الله تعالى وقد علمنا أنه ليس كل من خلق من نطفة الرجل يكون ابنه فولد الزنا مخلوق من نطفة إنسان ليس هو أباه في حكم الديانة أصلا وإنما
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 201
مساهمون: ابن حزم
ص٢٠١