وتهدي من تشاء » أفلم يكن عنده أصلح من فتنة يضل بها بعض خلقه حاشى لله من هذا الكفر والتعجيز وقال تعالى حاكيا عن الذين أثنى عليهم من مؤمني الجن أنهم قالوا « وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا »
قال أبو محمد وصدقهم الله عز وجل في ذلك إذ لو أنكره لما أورده مثنيا عليهم بذلك وهذا في غاية البيان الذي قد هلك من خالفه وبطل به قول الضلال الملحدين القائلين أن الله تعالى أراد رشد فرعون وإبليس وأنه ليس عنده أصلح ولا يقدر لهما على هدى أصلا وقال تعالى « ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس » فليت شعري أي مصلحة لهم في أن يذرأهم لجهنم نعوذ بالله من هذه المصلحة وقال تعالى « وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته » فصح أنه تعالى هو الذي يقي السيئات وأن الذي رحمه هو الذي وقاه السيئات لأن من لم يقه السيئات فلم يرحمه وبلا شك أن من وقاه السيئات فقد فعل به أصلح مما فعل بمن لم يقه إياها هذا مع قوله تعالى « ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها » « ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا » ولا يشك من لدماغه أقل سلامة أو في وجهه من برد الحياء شيء في أن هذا كان أصلح بالكفار من إدخالهم النار بأن لا يؤتهم ذلك الهدى وإن كانوا كما يقولون من دخولهم الجنة بغير استحقاق وقال تعالى « حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم » فليت شعري أين فعله تعالى بهؤلاء نسأل الله أن يجعلنا منهم من فعله بالذين قال فيهم أنه ختم على قلوبهم وزين لهم سوء أعمالهم وجعل صدورهم ضيقة حرجة أن من ساوى بين الأمرين وقال أن الله تعالى لم يعط هؤلاء إلا ما أعطى هؤلاء ولا أعطى من الهدى والاختصاص محمد وإبراهيم وموسى
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 183
مساهمون: ابن حزم
ص١٨٣