قال أبو محمد وإن في ابتداء الله عز وجل كتابة المنزل إلينا بقوله تعالى آمرا لنا أن نقوله راضيا منا أن نقوله « اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين » ثم ختمه تعالى كتابه آمرا لنا أن نقوله راضيا بقوله « قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس » لا بين بيان في تكذيب القائلين بأنه ليس عند الله تعالى أصلح مما فعل وأنه غير قادر على كف وسوسة الشيطان ولا على هدى الكفار هدى يستحقون به الثواب كما وعد المهتدين لأنه عز وجل نص على أنه هو المطلوب منه العون لنا والهدى إلى صراط من خصه بالنعمة عليه تعالى وضل فلولا أنه تعالى قادرا على الهدى المذكور وأن عنده عونا على ذلك لا يؤتيه إلا من شاء دون من لم يشأ وأنه تعالى أنعم على قوم بالهدى ولم ينعم به على آخرين لما أمرنا أن نسأله من ذلك ما ليس يقدر عليه أو ما قد أعطاه إياه ونص تعالى على أنه قادر على صرف وسوسة الشيطان فلولا أنه تعالى يصرفها عمن يشاء لما أمرنا عز وجل أن نستعيذ مما لا يقدر على الإعاذة منه أو مما قد أعاذنا بعد منه
قال أبو محمد ولا مخلص لهم من هذا أصلا ثم نسألهم أي مصلحة للعصاة في أن جعل بعض حركاتهم وسكونهم كبائر يستحقون عليها النار وجعل بعض حركاتهم وسكونهم صغائر مغفورة ولقد كان أصلح أن يجعلها كلها صغائر مغفورة ولقد أصلح أن يجعلها كلها صغائر مغفورة فإن قالوا هذا أزجر عن المعاصي وأصلح قيل لهم فهلا إذ هو كما تقولون جعلها جميعها كبائر زاجرة فهو أبلغ في الزجر
قال أبو محمد وقد نص الله تعالى في القرآن آيات كثيرة لا يحتمل تأويلا بتكذيب المعجزين لربهم تعالى وليس يمكنهم وجود آية ولا سنة يتعلقون بها أصلا فمنها قوله تعالى « إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 182
مساهمون: ابن حزم
ص١٨٢