أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا »
قال أبو محمد إنما تلونا جميع الآيات على نسقها في القرآن واتصالها خوف أن يعترضوا بالآية ويسكتوا عند قوله يخرصون فكثيرا ما احتجنا إلى بيان مثل هذا من الاقتصار على بعض الآية دون بعضها من تمويه من لا يتقي الله عز وجل
قال أبو محمد وهذه الآية من أعظم حجة على القدرية لأنه تعالى لم ينكر عليهم قولهم « لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء » ولو أنكره لكذبهم فيه وإنما أنكر تعالى قولهم ذلك بغير علم وإن وافقوا الصدق والحق كما قدمنا آنفا وقد بين تعالى أنه إنما أنكر عليهم ذلك بقوله عز وجل في الآية نفسها « إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون » ثم لم يدعنا تعالى في لبس من ذلك بل واتبع ذلك نسقا واحدا بأن قال « فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين » نصدقهم عز وجل في قولهم أنه لو شاء ما أشركوا ولا آباؤهم ولا حرموا ما حرموا وأخبر تعالى أنه لو شاء لهداهم فاهتدوا وبين تعالى أن له الحجة عليهم في ذلك ولا حجة لأحد عليه تعالى وأنكر عز وجل إن أخرجوا ذلك فخرج العذر لأنفسهم أو فخرج الاحتجاج على الرسل عليهم السلام كما تفعل المعتزلة ثم بين تعالى أنه إنما أنكر أيضا تكذيبهم رسله بقوله تعالى « كذلك كذب الذين من قبلهم » بالذال المشددة بلا خلاف من القراء ودعواهم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 155
مساهمون: ابن حزم
ص١٥٥