تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الإسلام وأهله فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح من أن الأرض على حوت والحوت على قرن ثور والثور على صخرة والصخرة على عاتق ملك والملك على الظلمة والظلمة على ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وهذا يوجب أن جرم العالم غير متناه وهذا هو الكفر بعينه فنافرت هذه الطبقة التي ذكرنا كل برهان ولم يكن عندها أكثر من قولهم نهينا عن الجدال فليت شعري من نهاهم عنه والله عز وجل يقول في كتابه المنزل على نبيه المرسل صلى الله عليه وسلم « وجادلهم بالتي هي أحسن » وأخبر تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا « يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا » وقد نص تعالى في غير موضع من كتابه على أصول البراهين وقد نبهنا عليها في غير ما موضع من كتابنا هذا وحض تعالى على التفكير في خلق السماوات والأرض ولا يصح الاعتبار في خلقهما إلا بمعرفة هيأتهما وانتقال الكواكب في أفلاكهما واختلاف حركاتها في التغريب والتشريق وأفلاك تداويرها وتعارض تلك الأدوار على رتبة واحدة وكذلك معرفة الدوائر والمنطقة والميل والاستواء وكذلك معرفة الطبائع وامتزاج العناصر الأربعة وعوارضها وتركيب أعضاء الحيوان من عصبه وعضله وعظامه وعروقه وشرايينه واتصال أعضائه بعضها ببعض وقواه المركبة فمن أشرف على ذلك وعلمه رأى عظيم القدرة وتيقن أن كل ذلك صنعة ظاهرة وإرادة خالق مختار لأن اختلاف تلك الحركات يضطر إلى المعرفة بأن شيئا منها لا يقوم بنفسه دون ممسك مدبر لا إله إلا هو ولا خالق سواه ولا مدبر حاشاه ولا فاعل مخترع إلا هو ثم زاد قوم منهم فأتوا بالأفيكة التي تقشعر منها الذوائب وهي أن أطلقوا أن الدين لا يؤخذ بحجة فأقروا عيون الملحدين وشهدوا أن الدين لا يثبت إلا بالدعاوى والغلبة وهذا خلاف قوله عز وجل « قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين » وقوله تعالى « فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان » هذا قول الله عز وجل وما جاء به نبيه صلى الله عليه وسلم وفي ذلك الكفاية والغنا عن قول كل قائل بعده وقد حاج ابن عباس الخوارج وما علمنا أحدا من الصحابة رضي الله عنهم نهى