ظاهرها ولا يعرفون معانيها ولا يهتمون بفهمها وإما بمسائل من الأحكام لا يشتغلون بديلها ومنبعثها وإنما حسبهم منها ما أقاموا به جاههم وحالهم وإما بخرافات منقولة عن كل ضعيف وكذاب وساقط لم يهتموا قط بمعرفة صحيح منها من سقيم ولا مرسل من مسند ولا ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مما نقل عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه عن أهل الكتاب فنظرت الطائفة الأولى من هذه الآخرة بعين الاستهجان والاحتقار والاستهجان فتمكن الشيطان منهم وحل فيهم حيث أحب فهلكوا وضلوا واعتقدوا أن دين الله تعالى لا يصح منه شيء ولا يقوم عليه دليل فاعتقدوا أكثرهم الإلحاد والتعطيل وسلك بعضهم طريق الاستخفاف والإهمال واطراح ثقل الشرائع واستعمال الفرائض والعبادات وآثروا الراحات وركوب
اللذات من أنواع الفواحش المحرمات من الخمور والزنا واللواطة والبغاء وترك الصلوات والصيام والزكاة والحج والغسل وقصدوا كسب المال كيف تيسر وظلم العباد واستعمال الاهزال وترك الجد والتحقيق وتدين الأقل منهم بتعظيم الكواكب فأسفت نفس المسلم الناصح لهذه الملة وأهلها على هلاك هؤلاء المساكين وخروجهم عن جملة المؤمنين بعد أن غذوا بلبان الإسلام ونشؤوا في حجور أهله نسأل الله العصمة من الضلال لنا ولأبنائنا ولكل إخواننا من المسلمين ونسأله تدارك من زلت قدمه وهوت نقله إنه على كل شيء قدير وأما الطائفة الثانية فهم قوم ابتدؤوا الطلب لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزيدوا على طلب علو الإسناد وجمع الغرائب دون أن يهتموا بشيء مما كتبوا أو يعملوا به وإنما تحملوه حملا لا يزيدون على قراءته دون تدبر معانيه ودون أن يعلموا أنهم المخاطبون به وأنه لم يأت هملا ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عبثا بل أمرنا بالتفقه فيه والعمل به بل أكثر هذه الطائفة لا يعمل عندهم إلا ما جاء من طريق مقاتل بن سليمان والضحاك بن مزاحم وتفسير الكلبي وتلك الطبقة وكتب البذي التي إنما هي خرافات موضوعات وأكذوبات مفتعلات ولدها الزنادقة تدليسا على
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 93
مساهمون: ابن حزم
ص٩٣