تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والشيع والأقارب صلبوا فما مضت مدة يسيرة حتى لم يبقى لتلك الخشب أثر فكيف أمر لا طالب له وبدول قد انقطعت وبلاد قد أقفرت وخلت ونسيت أخبارها وهذه البردة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم والقصعة والسيف على أن الدولة متصلة لم تتخرم منذ حينئذ والحمد لله رب العالمين قد دخلت الداخلة في القصعة والسيف حتى لا يقين عندنا منهما اليوم ولولا تداول الخلفاء للباس البردة أبدا الآبد فينقل أمرها جيلا بعد جيل والمنبر كذلك لما قطعنا عليهما ولكن التداول لهما أمة بعد أمة وهما قائمان ظاهران للناس هو أوجب اليقين بهما ورفع الشك فيهما وكذلك كل ما جرى هذا المجرى ثم لم يلبث دين النصارى أن مات قسطنطين أول من تنصر من ملوك الدنيا ثم مات ابنه قسطنطين وولي ملك تلك النصرانية ورجع إلى عبادة الأوثان إلى أن مات ثم ولي رجل من أقارب قسطنطين فرجع إلى النصرانية وأما ديانة اليهود فما صفت فيها نبات بني إسرائيل وموسى عليه السلام حي بين أظهرهم وما زالوا مائلين إلى إظهار عبادة الأوثان ثم تكذيبهم كلهم بالشريعة التي أتاهم بها بعد موته عليه السلام طبقة بعد طبقة إلى انقطاع دولتهم فكيف أن يتبعه غيرهم قال أبو محمد وبرهان ضروري لمن تدبره حسي لا محيد عنه وهو أنه لا خلاف بين أحد من اليهود والنصارى وسائر الملل في أن بني إسرائيل كانوا بمصر في أشد عذاب يمكن أن يكون من ذبح أولادهم تسخيرهم في عمل الطوب بالضرب العظيم والذل الذي لا يصبر عليه كلب مطلق فأتاهم موسى عليه السلام يدعوهم إلى فراق هذا الأسر الذي قتل النفس أخف منه وإلى الحرية والملك والغلبة والأمن مضمون ممن هو في أقل من تلك الحال أن يسارع إلى كل من يطمع على يديه بالفرج وأن يستجيب له إلى كل ما دعاه إليه وأن أكثر من في هذا البلاء يستخير عبادة من أخرجه منه لا سيما إلى العز والحرمة وكانوا أيضا أهل عسكر مجتمع وبني عمر يمكنهم التواطؤ ثم كانوا أهل بلد صغير جدا قد تكنفهم الأعداء من كل جانب