تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
أما الكذب فإنه قال هاهنا أن يحيى كان لا يأكل ولا يشرب حتى قيل فيه أنه مجنون من أجل ذلك وفي الباب الأول من إنجيل مارقش أن يحيى بن زكريا هذا كان طعامه الجراد والعسل الصحراوي وهذا تناقض وأحد الخبرين كذب بلا شك وأما خلاف قول النصارى فإنه ذكر أن يحيى كان لا يأكل ولا يشرب وأن المسيح كان يأكل ويشرب وبلا شك أن من أغناه الله عز وجل عن الأكل والشرب من الناس فقد أبانه ورفع درجته عمن لم يغنه عن الأكل والشرب منهم فيحيى أفضل من المسيح بلا شك على هذا وقصة ثالثة وهي اعتراف المسيح على نفسه بأنه يأكل ويشرب وهو عندهم إله فكيف يأكل الإله ويشرب ما في الهوس أكثر من هذا فإن قالوا أن الناسوت منه هو الذي كان يأكل ويشرب قلنا وهذا كذب منكم على كل حال لأنه إذا كان المسيح عندكم لاهوتا وناسوتا معا فهو شيئان فإن كان إنما يأكل الناسوت وحده فإنما أكل الشيء الواحد من جملة الشيئين ولم يأكل لآخر فقولوا إذا أكل نصف المسيح وشرب نصف المسيح وإلا فقد كذبتم بكل حال وكذب أسلافكم في قولهم أكل المسيح ونسبتم إلى المسيح الكذب بخبره عن نفسه أنه يأكل وإنما يأكل نصفه لا كله والقوم أنذال بالجملة * ( فصل ) * وفي الباب المذكور أن المسيح قال لا يعلم غير الأب ولا يعلم الأب غير الولد قال أبو محمد رضي الله عنه هذا عجب جدا لأن المسيح عندهم ابن الله بلا خلاف بينهم والله تعالى عن كفرهم هو والد المسيح وأبوه وهكذا يطلق النذل باطرة في رسائله المنتنة متى ذكر الله فإنما يقول قال الله والد ربنا المسيح أمرا كذا وكذا ثم ها هنا قال أن المسيح قال أنه لا يعلم الأب إلا الابن ولا يعلم الابن إلا الأب فقد وجب ضرورة أن التلاميذ وسائر النصارى لا يعلمون الله تعالى أصلا ولا يعرفون المسيح البتة فهم جهلاء بالله تعالى وبالابن ومن جهل الله تعالى ولم يعرفه فهو كافر فهم كفار كلهم أسلافهم وأخلافهم أو كذب المسيح في هذا الكلام أو كذب النذل متى ولا بد والله
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 32 | ابن حزم