تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
إلا بما شاء وقد نفى الله تعالى الإحاطة من الخلق به فقال عز وجل ولا يحيطون به علما قال أبو محمد ويخرج أيضا على ظاهره أحسن خروج دون تأويل ولا تكلف فيكون معنى قوله تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء أي من العلم بالله تعالى وهذا حق لا شك فيه لأننا لا نحيط من العلم به تعالى إلا بما علمنا فقط قال تعالى ولا يحيطون به علما فيكون معنى من علمه أي من معرفته فإن قالوا فما معنى دعائكم الله في الرحمة والمغفرة وهل يخلو أن يكون سبق علمه بالرحمة فأي معنى للدعاء فيما لا بد منه وهل هو إلا كمن دعى في طلوع الشمس غدا أو في أن يجعل إنسانا إنسانا أو في أن تكون الأرض أرضا وإن كان سبق في علمه تعالى حلاف ذلك فأي معنى في الدعاء فيما لا يكون وهل هو إلا كمن دعى في أن لا تقوم الساعة أو في أن لا يكون الناس ناسا فيقال لهم وبالله التوفيق الدعاء عمل أمرنا الله تعالى به لا على أنه يرد قدرا ولا أنه يكون من أجله مالا يكون لكن الله تعالى قد جعل في سابق علمه الدعاء الذي سبق في علمه قبوله يكون سببا لما سبق في علمه كونه كما جعل في سابق علمه الغذا بالطعام والشراب سببا لبلوغ الأجل الذي سبق في علمه البلوغ إليه وكذلك سائر الأعمال وقد نص تعالى على أنه تعالى يعلم آجال العباد قال تعالى « فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون » ومع ذلك فقد جعل تعالى الأكل والشرب سببا إلى استيفاء ذلك المقدار وكل ذلك سابق في علمه عز وجل والدعاء هكذا وكذلك التداوي على سبيل الطب ولا فرق وقد أخبرنا تعالى أنه يصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم وأمرنا مع ذلك بالدعاء بالصلاة عليه وقال تعالى قل رب احكم بالحق فأمرنا بالدعاء بذلك وقد علمنا أنه تعالى لا يحكم إلا بالحق فصح ما قلنا من أن الدعاء عمل أمرنا به فنحن نعمله حيث أمرنا عز وجل به ولا نعمله حيث لم نؤمر به والحمد لله رب العالمين فإذا قد بطل بعون الله تعالى وتأييده قول من قال أن علم الله تعالى هو غير الله تعالى وهو مخلوق فلنتكلم بعون الله
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 134 | ابن حزم