بالرصد أن الشمس تقطع السماء في سنة والقمر يقطعها في ثمانية وعشرين يوما ثم نص تعالى على أن الليل لا يسبق النهار فبين تعالى بهذا الحكم الحركة الثانية التي للفلك الكلي وهي التي تتم في كل يوم وليلة دورة وتتساوى فيها جميع الدراري والشمس والقمر والنجوم وقال تعالى « فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب » وأخبر تعالى أن أرواح الكافرين « لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة » فصح أن من فتحت له أبواب السماء دخل الجنة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شدة الحر من فيح جهنم وأن لها نفسين نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف وأن ذلك أشد ما نجد من الحر والبرد وأن نارنا هذه أبرد من نار جهنم بتسع وستين درجة وهكذا نشاهد من فعل الصواعق فإنها تبلغ من الإحراق والأذى في مقدار اللمحة ما لا تبلغه نارنا في المدد الطوال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخر أهل الجنة دخولا فيها بعد خروجه من النار يعطى مثل الدنيا عشر مرات رويناه من طريق أبي سعيد الخدري مسندا وصح أيضا مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا في الآخرة كأصبع في اليم
قال أبو محمد وهذا إنما هو في نسبة المسافة لا في نسبة المدة لأن مدة الآخرة لا نهاية لها وما لا نهاية له فلا ينسب منه شيء البتة بوجه من الأوجه ولا هو أيضا نسبة من السرور واللذة ولا من الحزن والبلاء فإن سرور الدنيا مشوب بألم ومتناه منقض وسرور الآخرة وحزنها خالصان غير متناهيين وهكذا قام البرهان من قبل رويتنا لنصب السماء أبدا على أنه لا نسبة للأرض عند السماء ولا قدر وقال عز وجل « وجنة عرضها السماوات والأرض » وقال تعالى « وجنة عرضها كعرض السماء والأرض » وقال تعالى « وجنى الجنتين دان » وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للجنة ثمانية أبواب وقال عليه السلام فاسألوا الله الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن فصح يقينا أنهما جنتان أحدهما كعرض السماوات والأرض والأخرى عرضها كعرض السماء والأرض وقوله تعالى « ولمن خاف مقام ربه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 104
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٤