مكة موضع مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بيان ذلك أن إبراهيم عليه السلام أسكن إسماعيل فاران ولا خلاف بين أحد في أنه إنما أسكنه مكة فهذا نص على مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والرؤيا التي فسرها دانيال في أمر الحجر الذي رأى الملك في نومه الذي دق الصنم الذي كان بعضه ذهبا وبعه فضة وبعضه نحاسا وبعضه حديدا وبعضه فخارا وخلطه كله وطحنه وجعله شيئا واحدا ثم ربا الحجر حتى ملا الأرض ففسره دانيال أنه نبي يجمع الأجناس ويبلغ ملك أمره ملء الآفاق فهل كان نبي قط غير محمد صلى الله عليه وسلم جمع الأجناس كلها على اختلافها واختلاف لغاتها وأديانها وممالكها فجعلهم جنسا واحدا ولغة واحدة وأمة واحدة ومملكة واحدة ودينا واحدا فإن العرب والفرس والنبط والأكراد والترك والديلم والجبل والبربر والقبط ومن أسلم من الروم والهند والسودان على كثرتهم كلهم ينطقون بلغة واحدة وبها يقرؤن القرآن وقد صار كل من ذكرنا أمة واحدة والحمد لله رب العالمين فصحت النبوة المذكورة بلا إشكال والحمد لله رب العالمين وكل ما ذكرنا في هذا الباب أنه يدخل على النصارى الذين يقولون بنبوة عيسى عليه السلام فقط من الاريوسية والمقدونية والبولقانية سواء سواء مع ما في الإنجيل من دعاء المسيح عليه السلام في قوله اللهم ابعث البارقليط ليعلم الناس أن ابن البشر إنسان
قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا غاية البيان لمن عقل لأن المسيح عليه السلام علم أنه سيغلوا قومه فيه فيقولون أنه الله وأنه ابن الله فدعا الله في أن يبعث الذي يبين للناس أنه ليس إلها ولا ابن إله وإنما هو إنسان من ولد امرأة من البشر فهل آتى بعده نبي يبين هذا إلا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحيل بيانه على ذي حس سليم وإنصاف ونسأل الله ايزاع الشكر على ما وفق له من الهدى فإن قال قائل فإن المجوس تصدق بنبوة زرادشت وقوم من اليهود بنبوة أبي عيسى الأصبهاني وقوم من كفرة الغالية يصدقون بنبوة يزيع الحائك والمغيرة بن سعيد وبنان بن سمعان التميمي
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 112
مساهمون: ابن حزم
ص١١٢