قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يمكن أن يكون
« ما »
في
« ما يَدْعُونَ »
موصولة أو نافية أو استفهامية أو مصدرية و
« مِنْ »
في
« مِنْ شَيْءٍ »
على الاحتمال الثاني زائدة للتأكيد وعلى الباقي للتبيين وأرجح الاحتمالات الأولان وأرجحهما أولهما .
والمعنى : على الثاني أن اللّه يعلم أنهم ليسوا يدعون من دونه شيئا أي أن الذي يعبدونه من الآلهة لا حقيقة له فيكون كما قال صاحب الكشاف توكيدا للمثل وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا .
والمعنى : على الأول أن اللّه يعلم الشيء الذي يدعون من دونه ولا يجهل ذلك فيكون كناية عن أن المثل الذي ضربه في محله ، وليس لأوليائهم من الولاية إلّا اسمها .
ويؤكد هذا المعنى الاسمان الكريمان : العزيز الحكيم في آخر الآية فهو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء فلا يشاركه في تدبير ملكه أحد كما لا يشاركه في الخلق والإيجاد أحد ، الحكيم الذي يأتي بالمتقن من الفعل والتدبير فلا يفوّض تدبير خلقه إلى أحد ، وهذا كالتمهيد لما سيبيّن في قوله :
« خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ »
.
قوله تعالى :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
يشير إلى أن الأمثال المضروبة في القرآن على أنها عامة تقرع أسماع عامة الناس ، لكن الإشراف على حقيقة معانيها ولبّ مقاصدها خاصة لأهل العلم ممن يعقل حقائق الأمور ولا ينجمد على ظواهرها .
والدليل على هذا المعنى قوله : « ولا يعقلها » دون أن يقول : وما يؤمن بها أو ما في معناه .
فالأمثال المضروبة في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقّيها باختلاف أفهامهم فمن سامع لا حظّ له منها إلّا تلقّي ألفاظها وتصوّر مفاهيمها الساذجة من غير تعمق فيها وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثم يغور في مقاصدها العميقة ويعمل حقائقها