بيانه ثانيا بقوم فرعون للإشارة إلى حكمة الإرسال وهي ظلمهم بالشرك وتعذيب بني إسرائيل كما في سورة طه من قوله :
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
- إلى أن قال -
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ
( طه / 47 ) .
وقوله :
أَ لا يَتَّقُونَ
بصيغة الغيبة ، وهو توبيخ غيابي منه تعالى لهم وإيراده في مقام عقد الرسالة لموسى عليه السّلام في معنى قولنا : قل لهم إن ربي يوبخكم على ترك التقوى ويقول : ألا تتقون .
قوله تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
- إلى قوله -
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
، قال في مجمع البيان : الخوف انزعاج النفس بتوقع الضرع ونقيضه الأمن وهو سكون النفس إلى خلوص النفع ، انتهى . وأكثر ما يطلق الخوف على إحساس الشر بحيث يؤدي إلى الاتقاء عملا وإن لم تضطرب النفس ، والخشية على تأثر النفس من توقع الشر بحيث يورث الاضطراب والقلق ، ولذا نفى اللّه الخشية من غيره عن أنبيائه وربما أثبت الخوف فقال :
وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ
( الأحزاب / 39 ) ، وقال :
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً
( الأنفال / 58 ) .
وقوله :
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
أي ينسبني قوم فرعون إلى الكذب ، وقوله :
« وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي »
الفعلان مرفوعان وهما معطوفان على قوله :
« أَخافُ »
فالذي اعتلّ به أمور ثلاثة : خوف التكذيب وضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان ، وفي قراءة يعقوب وغيره يضيق وينطلق بالنصب عطفا على « يكذبون » وهو أوفق بطبع المعنى ، وعلى فالعلة واحدة وهي خوف التكذيب الذي يترتب عليه ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان . ويطابق ما سيجيء من آية القصص من ذكر علة واحدة هي خوف التكذيب .
وقوله :
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
أي أرسل ملك الوحي إلى هارون ليكون معينا لي