الزُّورِ »
فإن اجتناب الأوثان واجتناب قول الزور وإن كانا من تعظيم حرمات اللّه ولذلك تفرع
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ »
على ما تقدمه من قوله :
« وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ »
لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحج بالذكر ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحج يومئذ وإصرار المشركين على التقرب من الأصنام هناك وإهلال الضحايا باسمها .
وبذلك يظهر أن قوله :
« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »
نهي عام عن التقرب إلى الأصنام وقول الباطل أورد لغرض التقرب إلى الأصنام في عمل الحج كما كانت عادة المشركين جارية عليه ، وعن التسمية باسم الأصنام على الذبائح من الضحايا ، وعلى ذلك يبتني التفريع بالفاء .
وفي تعليق حكم الاجتناب أولا بالرجس ثم بيانه بقوله :
« مِنَ الْأَوْثانِ »
إشعار بالعلّية كأنه قيل : اجتنبوا الأوثان لأنها رجس ، وفي تعليقة بنفس الأوثان دون عبادتها أو التقرب أو التوجه إليها أو مسّها ونحو ذلك - مع أن الاجتناب إنما يتعلق على الحقيقة بالأعمال دون الأعيان - مبالغة ظاهرة .
وقد تبين بما مرّ أن
« مَنْ »
في قوله :
« مِنَ الْأَوْثانِ »
بيانية ، وذكر بعضهم أنها ابتدائية ، والمعنى : اجتنبوا الرجس الكائن من الأوثان وهو عبادتها ، وذكر آخرون أنها تبعيضية ، والمعنى : اجتنبوا الرجس الذي هو بعض جهات الأوثان وهو عبادتها ، وفي الوجهين من التكلف وإخراج معنى الكلام عن استقامته ما لا يخفى .
قوله تعالى :
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
الخ ؛ الحنفاء جمع حنيف وهو المائل من الأطراف إلى حاق الوسط . وكونهم حنفاء للّه ميلهم عن الأغيار وهي الآلهة من دون اللّه اليه فيتحد مع قوله غير مشركين به معنى .