السجدة للدلالة على أنه هو عملهم يرد إليهم ، وليكون تمهيدا لقوله تلوا
« وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ »
الدال على أن ثبوت العذاب لهم إثر إبائهم عن السجود هوان وخزي يتصل بهم ليس بعده كرامة وخير .
فإباؤهم عن السجود يستتبع بمشية اللّه تعالى ثبوت العذاب لهم وهو إهانة ليس بعده إكرام أبدا إذ الخير كله بيد اللّه كما قال :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
( آل عمران / 26 ) فإذا منعه أحدا لم يكن هناك من يعطيه غيره .
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
كناية عن عموم القدرة وتعليل لما تقدمه من حديث إثباته العذاب للمستكبرين عن السجود له وإهانتهم إهانة لا إكرام بعده .
فالمعنى - واللّه أعلم - أن اللّه يميز يوم القيامة بين المختلفين فإنك تعلم أن الموجودات العلوية والسفلية يخضعون ويتذللون له تكوينا لكن الناس بين من يظهر في مقام العبودية الخضوع والتذلل له وبين من يستكبر عن ذلك وهؤلاء هم الذين حق عليهم العذاب وأهانهم اللّه إهانة لا إكرام بعده وهو قادر على ما يشاء فعال لما يريد . ومن هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها .
قوله تعالى :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ
الإشارة بقوله :
« هذانِ »
إلى القبيلين الذين دل عليهما قوله سابقا :
« إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
وقوله بعده : « وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب » .
ويعلم من حضر المختلفين على كثرة أديانهم ومذاهبهم في خصمين اثنين أنهم جميعا منقسمون إلى محق ومبطل إذ لولا الحق والباطل لم ينحصر الملل والنحل على تشتتها في اثنين البتة ، والمحق والمبطل هما المؤمن بالحق والكافر به فهذه الطوائف على تشتت أقوالهم ينحصرون في خصمين اثنين وعلى انحصارهم في خصمين اثنين لهم أقوال مختلفة فوق