تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
« وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى »
فإحياؤه تعالى الموتى بجعل التراب الميت إنسانا حيا وجعل الأرض الميتة نباتا حيا واقع مستمر مشهود فلا ريب في إمكانه وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى :
قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
( يس / 79 ) وسائر الآيات المثبتة لإمكان البعث والإحياء ثانيا من طريق ثبوت مثله أولا . ثم لما أمكن أن يتوهم أن جواز الإحياء الثاني لا يستلزم الوقوع بتعلق القدرة به استبعادا له واستصعابا دفعه بقوله :
« وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
فإن القدرة لما كانت غير متناهية كانت نسبتها إلى الإحياء الأول والثاني وما كان سهلا في نفسه أو صعبا على حد سواء فلا يخالطها عجز ولا يطرأ عليها عي وتعب . وهذه الجملة أيضا في مجرى قوله تعالى :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
( ق / 15 ) وقوله :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( حم السجدة / 39 ) ، وسائر الآيات المثبتة للبعث بعموم القدرة وعدم تناهيها . فهذه أعني ما في قوله تعالى :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ »
إلى آخر الآية ؛ نتائج ثلاث مستخرجة من الآية السابقة عليها مسوقة جميعا لغرض واحد وهو ذكر ما يثبت به البعث وهو الذي تتضمنه الآية الأخيرة
« وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ »
. ولم تتضمن الآية إلا بعث الأموات والظرف الذي يبعثون فيه فأما الظرف وهو الساعة فذكره في قوله :
« وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها »
ولم ينسب إتيانها إلى نفسه بأن يقال مثلا : وأن اللّه يأتي بالساعة أو ما في معناه ولعل الوجه في ذلك اعتبار كونها لا تأتي إلا بغتة لا يتعلق به علم قط كما قال :
« لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً »
. وقال :
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ »
( الأعراف / 187 ) وقال :
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
( طه / 15 ) فكان عدم نسبتها إلى فاعل كعدم ذكر وقتها وكتمان مرساها مبالغة في إخفائها وتأييدا لكونها مباغتة مفاجئة ، وقد كثر ذكرها في كلامه ولم يذكر في شيء منه لها