تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
ميتون ، ولا ينفعهم موتك شيئا فلا أنهم يقبضون على الخلود بموتك ، فالجميع ميتون ، ولا أن حياتهم القصيرة المؤجلة تخلو من الفتنة والامتحان الإلهي فلا يخلو منه إنسان في حياته الدنيا ، ولا أنهم خارجون بالآخرة من سلطاننا بل الينا يرجعون فنحاسبهم ونجزيهم بما عملوا . وقوله :
« أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ »
ولم يقل : فهم خالدون والاستفهام للإنكار يفيد نفي قصر القلب كأنه قيل : إن قولهم : نتربص به ريب المنون كلام من يرى لنفسه خلودا أنت مزاحمه فيه فلو مت لذهب بالخلود وقبض عليه وعاش عيشة خالدة طيبة ناعمة وليس كذلك بل نفس ذائقة الموت ، والحياة الدنيا مبنية على الفتنة والامتحان ، ولا معنى للفتنة الدائمة والامتحان الخالد بل يجب أن يرجعوا إلى ربهم فيجازيهم على ما امتحنهم وميّزهم . قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
لفظ النفس - على ما يعطيه التأمل في موارد استعماله - أصل معناه هو معنى ما أضيف اليه فنفس الشيء معناه الشئ ونفس الإنسان معناه هو الإنسان ونفس الحجر معناه هو الحجر فلو قطع عن الإضافة لم يكن له معنى محصل ، وعلى هذا المعنى يستعمل لتأكيد اللفظي كقولنا : جاءني زيد نفسه أو لإفادة معناه كقولنا : جاءني نفس زيد . وبهذا المعنى يطلق على كل شيء حتى عليه تعالى كما قال :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
( الأنعام / 12 ) ، وقال :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
( آل عمران / 28 ) ، وقال :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
( المائدة / 116 ) . ثم شاع استعمال لفظها في شخص الإنسان خاصة وهو الموجود المركب من روح وبدن فصار ذا معنى في نفسه وإن قطع عن الإضافة قال تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها
أي من شخص إنساني واحد ، وقال :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
( المائدة / 32 ) ،