تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
فاعله حكيما لا يفعل إلا ما فيه مصلحة مرجحة ، وقوله : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا دلالة في لفظه على التقييد بالحكمة فكان عليهم أن يقيموا عليه دليلا . ولو جاز الخروج في تعليل عدم السؤال في الآية لفظها لكان أقرب منه التمسك بقوله - وهو متصل بالآية - :
« فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ »
فإن الآية تثبت له الملك المطلق والملك متبع في إرادته مطاع في أمره لأنه ملك - أي لذاته - لا لأن فعله أو قوله موافق لمصلحة مرجحة وإلا لم يكن فرق بينه وبين أدنى رعيته وكانت المصلحة هي المتبعة ولم تكن طاعته مفترضة في بعض الأحيان ، وكذلك المولى متبع ومطاع لعبده فيما له من المولوية من جهة أنه مولى ليس للعبد أن يسأله فيما يريده منه ويأمره به عن وجه الحكمة والمصلحة فالملك على ما له من السعة مبدأ لجواز التصرفات وسلطنة عليها لذاته . فاللّه سبحانه ملك ومالك للكل والكل مملوكون له محضا فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وليس لغيره ذلك ، وله أن يسألهم عما يفعلون وليس لغيره أن يسألوه عما يفعل نعم هو سبحانه أخبرنا أنه حكيم لا يفعل إلا ما فيه مصلحة ولا يريد إلا ذلك فليس لنا أن نسيء به الظن فيما ينسب اليه من الفعل بعد هذا العلم الإجمالي بحكمته المطلقة فضلا عن سؤاله عما يفعل ، ومن ألطف الآيات دلالة على هذا الذي ذكرنا قوله حكاية عن عيسى بن مريم :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( المائدة / 118 ) حيث يوجه عذابهم بأنهم مملوكون له ويوجه مغفرتهم بكونه حكيما . ومن هنا يظهر أن الحكمة بوجه ما أعم من قوله :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
بخلاف الملك فالملك أقرب إلى توجيه الآية منها كما أشرنا اليه . الأمر الثاني : أن الآية على ما وجّهوها به خفيّة الاتصال بالسياق السابق وغاية ما قيل في اتصالها بما قبلها ما في مجمع البيان : أنه تعالى لما بيّن التوحيد عطف عليه بيان العدل ، وأنت خبير بأن مآله الاستطراد ولا موجب له .