عن معصية وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي ، أو ما جاءوا به من أحكامي بأن يندم على ما فعل ويعمل عملا صالحا بتبديل المخالفة والتمرد فيما عصى فيه بالطاعة فيه وهو المحقق لأصل معنى الرجوع من شيء وقد مرّ تفصيل القول فيه في تفسير قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
( النساء / 17 ) ، في الجزء الرابع من الكتاب .
وأما قوله :
ثُمَّ اهْتَدى
فالاهتداء يقابل الضلال كما يشهد به قوله تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
( الإسراء / 15 ) ، وقوله :
لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
( المائدة / 105 ) ، فهل المراد أن لا يضلّ في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانيا فيفيد أن التوبة عن ذنب إنما تنفع بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة ولا تكفي عنه لو عاد اليه ثانيا أو المراد أن لا يضلّ في غيره فيفيد أن المغفرة إنما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها وبعبارة أخرى إنما تنفعه نفعا تاما إذا لم يضل في غيره من الأعمال ، أو المراد ما يعمّ المعنيين ؟ .
فقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
ينطبق على آية النساء ويبقى فيه شرط زائد يقيد حكم المغفرة وهو مدلول قوله :
« ثُمَّ اهْتَدى »
وهو الاهتداء إلى الطريق ويظهر أن المغفرة إنما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه ودخل عليه من بابه .
ولا نجد في كلامه تعالى ما يقيد الإيمان باللّه والعمل الصالح في تأثيره وقبوله عند اللّه إلا الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له وطاعته في خطير الأمور ويسيرها وأخذ الدين عنه وسلوك الطريق التي يخطها واتباعه من غير استبداد وابتداع يؤول إلى اتباع خطوات الشيطان وبالجملة ولايته على المؤمنين في دينهم ودنياهم فقد شرع اللّه تعالى ولايته وفرض طاعته وأوجب الأخذ عنه والتأسّي به في آيات كثيرة جدا لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال لاستقصائها فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم .