فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون المراد شأنية الدخول والمعنى : ما من أحد منكم إلا من شأنه أن يدخل النار وإنما ينجو من ينجو بإنجاء اللّه على حد قوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
( النور / 21 ) .
قلت : معناه كون الورود مقتضى طبع الانسان من جهة أن ما يناله من خير وسعادة فمن اللّه ولا يبقى له من نفسه إلا الشر والشقاء لكن ينافيه ما في ذيل الآية من قوله :
« كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا »
فإنه صريح في أن هذا الورود بإيراد من اللّه وبقضائه المحتوم لا باقتضاء من طبع الأشياء .
والحق أن الورود لا يدل على أزيد من الحضور والإشراف عن قصد - على ما يستفاد من كتب اللغة - فقوله :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها »
إنما يدل على القصد والحضور والإشراف ، ولا ينافي دلالة قوله في الآية التالية :
« ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا »
على دخولهم جميعا أو دخول الظالمين خاصة فيها بعد ما وردوها .
وقوله :
« كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا »
ضمير كان للورود أو للجملة السابقة باعتبار أنه حكم ، والحتم والجزم والقطع بمعنى واحد أي هذا الورود أو الحكم كان واجبا عليه تعالى مقضيا في حقه وإنما قضى ذلك نفسه على نفسه إذ لا حاكم يحكم عليه .
قوله تعالى :
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
قد تقدم الإشارة إلى أن قوله :
« وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها »
يدل على كون الظالمين داخلين فيها ثم يتركون على ما كانوا عليه ، وأما تنجية الذين اتقوا فلا تدل بلفظها على كونهم داخلين إذ التنجية ربما تحققت بدونه اللهم إلا أن يستظهر ذلك من ورود اللفظين مقترنين في سياق واحد .
وفي التعبير بلفظ الظالمين إشارة إلى علية الوصف للحكم .
ومعنى الآيتين : ما من أحد منكم - متّق أو ظالم - إلا وهو سيرد النار كان هذا الإيراد واجبا مقضيا على ربك ثم ننجي الذين اتقوا منها ونترك الظالمين فيها لظلمهم باركين على