فالقول بولايته تعالى في الحاكمية السياسية في النظام البشري إذن يلزم منه القول بوجود المعصوم في كلّ وقت وفي كلّ زمان ، وهو معنى قوله تعالى بنحو دائم كلّي عام : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) ( 1 ) ، وقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « إنّ الأرض لا تخلو من حجّة » ، فالحجّة هنا هي القناة المعصومة التي من خلالها إمرار ولايته تعالى وإنفاذها على الخلق ، وهو ما يدعو إلى القول بوجود الإمام المعصوم في كلّ آن من آنات الخلق ، فهو سفير الله في خلقه .
ولذلك يطالعنا القرآن الكريم بسيرته ( صلى الله عليه وآله ) ، ويضيف إلى ذلك سيرة الأنبياء الباقين في تأسيس الدولة ، كما في سيرة موسى وسليمان وداود وطالوت وذي القرنين ، فقد أقاموا دولهم وشكّلوها بأمر إلهي صرف استعرض بعض جوانبها القرآن الكريم .
فمباشرة الله تعالى للتفاصيل السياسية في حاكمية التدبير لجزئيات الأمور نصّ عليها القرآن الكريم ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَر ) ، إذ هذا الاختبار لأصحاب طالوت ليس باختياره ، بل هو بأمر الله تعالى كما في غيرها من موارد أحكام الأنبياء ، إلاّ أنّ سيرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) تلاحظ بشكل أكثف وأكبر تركيزاً على مستوى آيات القرآن الكريم .
وهنا تنبيه يجدر الإشارة إليه : وهو أنّ بعض المفسّرين لم يبلوروا ويميزوا بين التشريع والتنزيل ، وبين مورد النزول ومورد التنزيل ، إذ جعلوا مورد النزول والتنزيل مجرّد شاهد ومبيّن لمعنى التنزيل الكلّي أي التشريع العام لا أكثر من ذلك ، وهذا بخس في حقيقة التنزيل .
فالمفسّرون فهموا أنّ التنزيل دوره تفسيري إيضاحي للآية دون أن يكون له
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 30 .