ففي دولة الرسول الحاكم المباشر لا بمعنى التجسيم والتشبيه ، بل بمعنى أنّ إرادته تعالى تتنزّل على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فينفّذها من دون أن يكون التصرّف الحكومي منبعثاً من إرادة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فإرادة الله تعالى متنزّلة في القرارات الجزئية التفصيلية من معاهدات وحروب وعلاقات كذلك .
والإمامية تستشهد بذلك على الإمامة ، وهل أنّ الله تعالى يعمل حاكميته السياسية في فترة معينة دون غيرها من الفترات بغضّ النظر عن ولايته تعالى التكوينية ؟
فإذا كان المصدر الرئيسي للأحكام الجزئية التنفيذية التفصيلية في المنعطفات الخطيرة وممارستها من قبل الله تعالى ، فهل هذه الممارسة هي لفترة محدودة تقتصر على الحقبة النبويّة المباركة - أي من خلال وجوده الشريف فقط - دون فترة ما بعد رحيله الشريف ، ثمّ تنقطع بعد ذلك ولاية الله تعالى في الإشراف السياسي وتلغى ؟ أم لابدّ لولاية الله تعالى من الاستمرار والدوام والبقاء ؟
فإن قلنا بالأوّل - وهو انقطاع ولايته تعالى عند وفاته ( صلى الله عليه وآله ) - ألزمنا أنفسنا بالتعطيل وانحسار إرادته تعالى ، ومن ثمّ عجزه - والعياذ بالله - عن الأمر ، وبالتالي عزل إرادته عن الحاكمية على خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ، وقد قال تعالى : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) ( 1 ) ، وأنكر على اليهود قولهم : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ( 2 ) ، فيد تصرّفه تعالى مبسوطة لا مغلولة .
وإذا أخذنا بالقول الثاني وهو استمرار ولايته وبقاؤها فعن أي طريق تمرّ وتتنزّل إرادته وولايته تعالى ، ومن أي قناة ستكون ؟ إذ هو تعالى لا يُحسّ ولا يُجسّ ولا يُجبه .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 57 .
( 2 ) سورة المائدة 5 : 64 .