وقال راثيا العلامة السيد ميرزا صالح القزويني ومعزيا أخويه العلامة السيد محمد
والعلامة السيد حسين : -
ومجدك ما خلت ( 596 ) الردى منك يقرب * لأنك في صدر الردى منه أهيب ( 597 )
أصابك ، لا من حيث تخشى سهامه * عليك ، ولا من حيث يقوى فيشغب ( 598 )
ولكن رمى من غرة ما أصابها * بمثلك رام منه يرمي فيعطب
وما خلت منك الداء يبلغ ما أرى * لأنك للدهر الدواء المجرب
ولا في فراش السقم قدرت أنني * أرى منك طودا بالأكف يقلب
أمنت عليك النائبات ، وانها * لعن كل من آمنته تتنكب
وقلت شغلن الدهر في كل لحظة * مواهب كفيك التي ليس توهب
ولم أدر أن الخطب يجمع وثبة * وان عشار الموت بالثكل مقرب ( 599 )
إلى حين أردتني بفقدك ليلة * تولد منها يوم حزن عصبصب ( 600 )
فقام بك الناعي وقال وللأسى * بكل حشا يدميه ظفر ومخلب
هلم بني الدنيا جميعا إلى التي * تزلزل منها اليوم شرق ومغرب
شكاة ، ولكن في حشا المجد داؤها * وندب ولكن ( هاشم ) فيه تندب
صه أيها الناعي فنعيك يعطب * عضضت الصفا لابل حشا فاك إثلب ( 601 )
لسانك يا جفت لهاتك فنعيك أو غدت * بريق الأفاعي لا بريقك ترطب
رويدك رفة عن حشاشة أنفس * هفت جزعا ( 602 ) عما تعمى وتعرب
فدع ( صالحا ) لي وانع من شئت إنها * ستذهب أحشاء الهدى حين يذهب
فليتك لي في نعيك الناس كلها * صدقت وفي فرد ( هو الناس ) تكذب
وداع دعا والرشد يقبر والهدى * يسوف ثرى واراه والوحي ينحب
ألا تلكم الأملاك شعثا تزاحموا * على من ؟ فهل منهم توارى مقرب ؟
أمستعظم الأملاك لا بل هو الذي * إلى الله فيه كلهم يتقرب
لقد رفعوا منه مناكب لم يكن ( 603 ) * لينهض ، لولا الله ، فيهن منكب
مناكب من جسم ( النبوة ) حملت * ( إمامة ) حق فضلها ليس يحسب
لقد دفنوا في دفنها العلم ميتا * وحسبك نار ( 604 ) في الجوانح تلهب
ويا رافدي اليوم قوما على ثرى * توارى به ذاك الأغر المهذب
قفا عزيا ( المهدي ) بابن هو الأب * لذي ( 605 ) الدين ، فالدين اليتيم المترب
سلا كشب ذاك القبر يندي صعيده * بري بنى الآمال هل راح ينضب ؟
وهل روضت خصبا بكف عهدتها * تنوب مناب الغيث والعام مجدب ؟
وهل زال من ذاك المحيا وضاؤه * فقد راح وجه الدهر للحشر ( 606 ) يشحب ؟
ضعي هاشم سرج العلى ) وترجلي * فما لك في ظهر من العز مركب
ودونك تقليب الأكف تعللا * فقد فات ( 607 ) منك المشرفي المذرب
ويا ناهبي دمعي اعذراني على البكا * فما الناس إلا عاذل ومؤنب ( 608 )
قفا واندبا أو خلياني ووقفة * يدك الرواسي شجوها حين أندب
أجامع شمل الدين شعب صدعه * ليومك صدع في الهدى ليس يشعب
وأعجب شئ أن نعشك في السما * ومنك توارى في ثرى الأرض كوكب
رمتك بها أيدي المقادير علة * عييت بها ما طبها متطبب
رجونا وقد أكدى ( الرجاء المخيب ) * نهنيك منها بالشفاء ونطرب ( 609 )
ونجلس زهوا مستعدين للهنا * بناد به الأمثال في الفخر تضرب ( 610 )
بحيث قلوب الناس ، هذا منعم * سرورا بإنشادي ، وهذا معذب
بل قد جلسنا مجلسا ودت السما * أسرتها ( 611 ) من شهبها فيه تنصب
كأنا تأهبنا لاوبة مقبل * وكان ليأس منك هذا التأهب
وهل أمل في عود من ذهبت به * بقاطعة الآمال عنقاه مغرب ؟ ( 612 )
وأقتل ما لاقيته فيك أنني * حضرت ومنك الشخص ناء مغيب
وعندي مما أسأر ( 613 ) البين لوعة * تجد بأحناء الضلوع وتلعب
أقلب طرفي لا أرى لك طلعة * يضيء بها هذا الندي المطيب
وأنصب سمعي لامتداحك لا أعي * به خاطبا بين السماطين ( 614 ) يخطب
ومما شجاني أن بدا المجد ماثلا * يصعد مثلي طرفه ويصوب ( 615 )
وقال : وأرخاها جفونا كليلة * برغمي خلا منك الرواق المحجب
رزيت أخا إن أحدث الدهر جفوة * عتبت بها ( 616 ) فارتد لي وهو معتب
وددت بأن تبقى ، وأن لك الردى * فداءا بمن فوق البسيطة يذهب
حجبت عن الدنيا ، ولو تملك المنى * إذن لتمنت في ضريحك تحجب
فلا نفضت عن رأسها ترب مأتم * وخدك من تحت الصعيد مترب
ثكلتك بسام المحيا طليقه * فبعدك وجه الدهر جهم مقطب
أوجهك حيا أم بنانك أرطب ؟ * وذكرك ميتا أم حنوطك أطيب ؟
وما نزعوه عنك أم ما لبسته * لدار البلى أنقى جيوبا وأقشب ؟
سأبكيك دهرا بالقوافي ولم أقل * من اليأس وجدا ما يقول المؤنب
لسان القوافي باسم من بعد تخطب * فلا سمع بعد اليوم للمدح يطرب ؟
مضى من له كن القرائح برهة * إذا استولدتها قالة الشعر تنجب
أجل فلها في المجد خير بقية * لها الفضل يعزي والمكارم تنسب
لئن عزبت تلك الخواطر نبوة * فلا عن ثناهم ، والخواطر تعزب ( 617 )
وإن رغبت عن نظمها الشعر في الورى * فليس لها عن أهل ذا البيت مرغب
مضى من له كانت تهذب مدحها * وأبقى الذي في مدحه تتهذب
لئن أغرب المطري بذكر ( محمد ) ( 618 ) * فما انفك في كسب المحامد يغرب
فتى تقف الأكفاء دون سماطه * وقوف بني الآمال ترجو وترهب
أقل علاه أن أذيال فخره * لهن على هام المجرة مسحب
زعيم قريش ، والزعامة فيهم * من الله في الدنيا وفي الدين منصب
حمولا ( 619 ) لاعباء الرياسة ناهضا * بأثقالها في الحق يرضى ويغضب
يقلب في النادي أنامل سؤدد * مقبلها زهوا يتيه ويعجب
إذا احتلبت يوما أرت أضرع الحيا * على بعد عهد بالحيا كيف تحلب
أخف ( 620 ) من الأرواح طبعا وإنه * لذو همة من ثقلها الدهر متعب
له شيم ، لو كان للدهر بعضها * لاضحى إلينا الدهر وهو محبب
وخلق ، فلو لا إن في الخمر سورة ( 621 ) * لقلت الحميا منه في الكأس تسكب
لنعم زعيم القوم إن يثر لم يكن * ليلبس إلا ما الندى منه يسلب
لنعم شريك السحب يبسط مثلها * بنانا ( 622 ) به روض المكارم معشب
تهذب أخلاق السحاب ، وإنها * متى يجن هذا الدهر نعم المؤدب
ترى وفده منه تطيف بمورق * على جود كفيه الرجاء المشذب
فقد عرست حيث الندى ، لا سحابه * جهام ولا برق المكارم خلب
( أبا القاسم ) إسمع لا وعى لك مسمع * سوى مدح ليست لغيرك تخطب
تجلببت ثوب الدهر ، فابق ومثله * بودي إذا أخلقته تتجلبب
لئن ضاق رحب الأرض في عظم رزئكم * فصدرك منه أي وعلياك أرحب
وحلمك أرسى من هضاب ( يلملم ) * وعودك من ناب العواجم أصلب
وما حل رز عزم ( 623 ) من شد أزره * أخ ( كحسين ) والأخ الضرب يطلب
فتى الحزم أما في النهى فهو واحد * ولكنه في موكب الحزم ( 624 ) موكب
إذا القوم جدوا في احتيال فحول * وإن قلبوا ظهر المجن فقلب ( 625 )
وإن غالب الخطب الورى فقريعه * أخو نجدة ما بين برديه أغلب ( 626 )
فلو شحذت ( فهر ) بحد لسانه * صوارمها ماكل منهن مضرب
ولو تنتضي منه اللسان لصممت * بأقطع من أسيافها حين تضرب
يصافي بأخلاق يروقك أنها * هي الراح إلا أنها ليس تقطب
تواضع حتى صار يمشي على الثرى * وبيت علاه في السماء مطنب
قرى ضيفه قبل القرى بشر وجهه * وقبل نزول النزل ( 627 ) أهل ومرحب
إذا احتلب السحب النسيم فكفه * على الوفد طبعا جودها يتحلب
ألا مبلغ عني الغداة رسالة * للحد أبى ( الهادي ) يقول فيطنب
( أبا حسن ) إن تمس دارك والسما * سمائين في أفقيهما الشهب تثقب
فتلك السما سعد ونحس نجومها * على أنها بعض عن البعض أجنب
وهذي السما للسعد كل نجومها * ويخلف فيها كوكبا منه كوكب
فلو عاد للدنيا بشخصك عائد * لأبصرت فيها ما يسر ويعجب
فمن وجهك ( الهادي ) تروق بمنظر * لها ( حسن ) والحمد بالحسن يكسب ( 628 )
و ( أحمد ) فيها من بهائك لامعا * لوفدك فيه عازب الانس يجلب ( 629 )
بكل ابن مجد ما نضا بردة الصبا * على أنه فيها لأضيافه أب
أخو الحزم إما قسته في لداته * فطفل ، وإن مارسته فهو أشيب
بنوك بنو العلياء أنجبت فيهم * لك الله هل تدري بمن أنت منجب ؟
غطارفة لا تعقب الشمس مثلهم * ولو أنها في أفقها منك تعقب
ذوو غرر يجلو الغياهب ضوؤها * وغيرهم في عين رائيه غيهب
أأهل النفوس الغالبيات مولدا * لأنتم على كسب المكارم أغلب
رقاق حواشي الطبع ، طبتم شمائلا * بها أرج من نفحة المسك أطيب
لكم خلقا مجد ، فذلك للعدى * يمر ، وهذا للمحبين يعذب
طبعتم سيوفا لم يلق لنجادها * سوى منكب المجد المؤثل منكب
وطنبتم أبيات فخر أبي العلى * لكم عوضا عنها النجوم تطنب
فما تلك إلا زينة لسمائها * وهذي بفرق المجد للوحي تضرب
فدونكموها ثاكلا قد تسلبت * ووشئ بهاء زانها ليس يسلب
أتت لكم عذراء في ريق الصبا * بعصر سواها فيه شمطاء ثيب
فداكم من الارزاء حاسد مجدكم * وإلا ففيكم عاش وهو معذب
طلعتم طلوع الشمس في مشرق العلى * فلا تغربوا ما الشمس تبدو وتغرب
هامش
596 في الديوان المطبوع : خفت .
597 حدثني الشيخ قاسم الملا الحلي ان هذه القصيدة مطلعها :
رواق العلى أبن المليك المحجب * لمن بعده تلك الأسرة تنصب
غير أن الشاعر أعرض عنه بالنظر إلى أن المعزى أخوه العلامة السيد محمد القزويني وهو
علم جهبذ ولأنه خاف من أن يكون ذلك كتعريض به .
598 يشغب : يهيج ( للشر ) . وفي نسخة : يشعب .
599 العشار المقرب : الإبل الحوامل قريبة الوضع .
600 العصبصب : اليوم الشديد الحر أو الشديد مطلقا .
601 اثلب : فتات الحجارة والتراب جمع أثالب .
602 في المطبوع : فزعا مما .
603 في المطبوع : تكن .
604 وفيه أيضا : وحسبك نارا .
605 وفيه أيضا : لذا .
606 وفيه أيضا : للبعث يسحب .
607 في مخطوطة الملا : مات .
608 في المطبوع : عاذل أو مؤنب .
609 في المطبوع : فتطرب .
610 وفيه : بالفخر تضرب .
611 وفيه أيضا : أسرته .
612 العنقاء : اسم طائر مجهول المسمى ، ومغرب صفة لها : أي أغربت ونأت في البلاد .
613 يقال اسأر الحاسب في حسابه أي لم يستقصي ، وأسأر : أبقى .
614 السماطين : الصفين .
615 التصويب : ضد التصعيد .
616 في المطبوع : عتبت به .
617 تعزب : تذهب .
618 يقصد السيد محمد بن السيد مهدي القزويني الكبير ، ترجمت له في كتابي ( شعراء
الحلة ) ج 5 ص 238 - 279 .
619 وفي المطبوع : حمول لأعباء الرسالة ناهض .
620 في الديوان المطبوع : على .
621 السورة : الحدة ، أي حدة الخمر .
622 وفي الديوان المطبوع : بيانا .
623 وفي مخطوطة الملا : حزم .
624 وفي المطبوع : الفخر .
625 الحول للقلب : كثير التصرف في الأمور ، وقلب له ظهر المجن : إذا تحول عن الصداقة
للعداوة .
626 القريع : الذي يغلب في المقارعة ، أخو النجدة : البطل الشهم .
627 في الديوان المطبوع : النزل النزل .
628 الهادي والحسن ، علمان ملء السمع والبصر ، وهما ولدا المرثي السيد صالح .
629 أحمد : هو ثالث أنجال المرثي . كان شاعرا فاضلا ، ولد في الحلة عام 1287 ه وتوفي
في النجف عام 1324 ه ترجمت له في شعراء الحلة ج 1 ص 72 ط 1 و 104 ط 2 .