تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في علم الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
بقي الكلام في بعض الأحكام الوضعيّة التي وقع النزاع في مجعوليتها مستقلا . منها : الطهارة والنجاسة . فان شيخنا الأنصاري قدّس سرّه ذهب إلى أنهما أمران تكوينيان كشف عنهما الشارع ، فالطهارة هي النظافة الخارجية ، والنجاسة هي القذارة التكوينية ، وليس هناك حكم مجعول شرعا . وفيه : أولا : انه مخالف لظواهر الأدلة ، لأن ظاهر كلام الشارع وروده في مقام التشريع والجعل ، لا أنه يتكلم بما أنه عالم بالغيب ، فيكشف عن أمر خارجي كطبيب يبين خواص الأدوية ونحوها . وثانيا : أنهما لو كانتا من الأمور الواقعية لكانتا من المقولات ، ولا يمكن الالتزام بوجود قذارة مقولية في جملة من موارد حكم الشارع بالنجاسة ، وان أمكن ذلك في بعضها كالبول والغائط . وأما ولد الكافر التابع له مع بعده عنه وغسل جسده بصابون وماء طاهر فالالتزام بوجود قذارة خارجية فيه بحيث تزول بمجرد تكلم وليه بالشهادتين بعيد جدا . فلا مناص من القول بأنهما حكمان مجعولان ، غاية الأمر لم يكن جعلهما جزافا ، وإنما هو تابع لملاك ثابت في المتعلق على مسلك العدلية من تبعية الأحكام لمصالح في متعلقاتها ، وهو غير مختص بهما ، بل ثابت في جميع الأحكام من الوضعيّة والتكليفية من غير أن يوجب كونها أمورا واقعية كشف عنها الشارع . ولا يبعد أن يكون ملاك حكم الشارع بنجاسة الكافر اجتناب المسلمين عن الكفار ، وتقليلا لمخالطتهم حفظا لهم من التخلق بأخلاقهم وعاداتهم ، فان نجاستهم قد توجب ذلك ، حيث إن المعاشرة معهم حينئذ تستلزم تنجس البدن واللباس والتطهير يكون صعبا غالبا . وهكذا السر في الحكم بنجاسة الخمر ، فإنها توجب التجنب ، فلا يبتلي الإنسان بشربه . ولعل هذا مراد الشهيد بما حكاه الشيخ عنه في الرسائل من أن السر في نجاسة الكافر ونحوه هو الاستقذار أو التوصل بها إلى الفرار .