تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في علم الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢

مستلزم لمحذور أصلا ، بل هو مما لا بدّ منه عقلا ، والروايات إرشاد إلى حكم العقل ، فإنه مستقل بأنه تعالى عالم بجميع الأشياء حتى الملازمات والمعدومات ، لأنه تعالى مجمع الصفات الحسنة التي منها العلم بجميع الأشياء . بقي الكلام في وجه تسمية ذلك بالبداء . ويذكر له وجهان : الأول : المشاكلة ، فانّ تعلق مشيته المقدسة بعدم تحقق ما تحقق المقتضي لثبوته شبيه بالبداء الحقيقي ، ومن هذا الباب قوله تعالى * ( لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) * ( 1 ) مع أنه كان عالما به ، وقوله تعالى * ( ليميز الخبيث من الطيب ) * ( 2 ) مع أنه كان مميزا عنده . الثاني : وهو وجه دقيق بعيد عن الفهم العرفي ، وتوضيحه يكون ببيان مقدمة وهي : انه تعالى له علمان ، علمه الذاتي وهو انكشاف ذاته لديه ، وفي هذا يتحد العلم والعالم والمعلوم ، فانّ العالم ذاته والمعلوم ذاته والانكشاف أيضا ذاته المقدسة ، وعلمه الفعلي وهو علمه بمخلوقاته ، فإنها حاضرة لديه جل وعلا بأعلى مراتب الحضور ، ونمثل لذلك بعلمنا ، فانّ الإنسان إذا تصور صورة شيء خارجي في ذهنه فيكون عالما به بالعلم الحصولي أي ترتسم صورة منه في الذهن ، وهذا هو المعبر عنه بالعلم الحصولي المستحيل فيه تعالى وتقدس . وامّا نفس تلك الصورة التي هي مخلوقة للنفس فهي بواقعها حاضرة لدى النّفس ، والنّفس عالمة بها لا بصورتها وإلَّا لزم التسلسل ، كما انّ علم النّفس بنفسها أيضا حضوري ، فانّ النّفس بواقعها حاضرة لدى النّفس ، وفيه يتحد العالم والمعلوم . وعلم الباري جل شأنه بمخلوقاته حضوري نظير علم النّفس بمخلوقاتها ، وعلمه بذاته نظير علم النّفس بذاتها فانّ النّفس مرآة له تعالى ذاتا وفعلا وصفة ، وهذا معنى قوله تعالى * ( وما يعزب عن ربك

هامش
( 1 ) الكهف - 12 .
( 2 ) الأنفال - 37 .