ولذا نبذته الأوساط الفلسفية والمدارس العلمية على حد سواء ، إلا أنه لا بد لنا من
وقفة قصيرة ، نحاكم فيها هذا المنطق ، تمشيا مع مقتضيات المنهجية والموضوعية ، اللتين
تفرضهما الروح العلمية وذلك ضمن عدة نقاط :
أولا : إننا لا نفهم ، كيف يمكن للمصادفة ، التي تعني الفوضى واللا قصد ، والتشويش ، أن
تنتج هذا النظام الدقيق ، والتناسق المذهل ، اللذين نراهما يطلان علينا من خلال كل
مظاهر هذا الكون المحيط بنا ؟ وهذا الجمال الرائع الذي يطالعنا ، فيدخل على نفوسنا
الغبطة والسرور ، وهل يعقل لفاقد كل ذلك أن يعطيه ؟
إن معنى النظام تأليف الكثير لتحقيق غاية معقولة قبل تحقيقها ومن البديهي أن
المعقول يحتاج إلى عقل يوجد فيه والمصادفة غير عاقلة .
وسوف نعود إلى هذه النقطة بالذات ، لنحللها بعد قليل .
ثانيا : إن نفس منطق القائلين بالمصادفة ، يستبطن إقرارا وإذعانا بمبدأ العلية
والسببية . وذلك لأنهم يفترضون وجودا سابقا لجرم الشمس ، ووجودا سابقا لفضاء لا
نهائي ، وزمان كذلك ، كان مجالا لسبح الشمس والكتلة الهائلة من الذرات قبل
اصطدامهما ، يفترضون كل هذه الأمور القبلية ، ليرتبوا بعد ذلك موضوع التصادم الذي
يتسبب عنه - في زعمهم - هذا الكون المادي .
وما مبعث ذلك في اعتقادي ، إلا نفور عقولهم ، من تقبل فكرة مسبب بلا سبب ، ومعلول بلا
علة - ، أي بالمصادفة - وإلا لكان باستطاعة هؤلاء ، أن يدعوا من رأس ، أن هذا الكون ،
وجد كما هو عليه من أول الأمر ، من دون حاجة أو لجوء إلى
دراسات في العقيدة الإسلامية — صفحة 96
مساهمون: محمد جعفر شمس الدين
ص٩٦