كما اننا لا يمكن أن نرتضي ما ذهب إليه المتصوفة ، من حصر معرفة الله ، بطريق الكشف
والحدس وذلك :
أولا : لأن فيه إهدارا لقيمة العقل ، وشلا لفاعليته وقدرته على الخلق والإبداع ،
وهذا ينافي الحث الذي ورد به القرآن الكريم ، على تدبر الكون بجميع مناحيه ، بالعقل
والتفكر فيه .
ثانيا : إن هذه الطريقة - طريقة الصوفية في المعرفة - إن سلمنا وجودها ليست عامة
للناس بما هم ناس ( 1 ) .
ثالثا : إن هؤلاء الصوفية بمنهجهم الذوقي هذا ، يحطمون أسس المعرفة العقلية ، إذ لا
بد من مبادئ معينة ، وأسس محددة للمعرفة ، أما ان تجيء هذه المعرفة بطريق لا يدري
الفرد كيف حصلت له ، فهذا لا يعد طريقا عقليا محددا ( 2 ) .
رابعا : إن ما يتراءى من كلمات المتصوفة الغائمة التي يرددونها ، ان حالة الكشف أو
المعرفة عندهم ، ليست كمالا طبيعيا ، بل هي كمال غير طبيعي . أي كمال إلهي ، لا يمنحه
الله لجمهور الناس ، بل لخصوص سعدائهم . وإذا كانت تلك المعرفة كمالا غير طبيعي
فعلى أية جهة يمكن أن يوجد للموجود الطبيعي كمال غير طبيعي . ومعنى انه غير طبيعي ،
انه شذوذ عن دائرة الإنسانية العاقلة المدركة .
هامش
( 1 ) الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد 44 .
( 2 ) النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد لمحمد عاطف العراقي 212 .