في حين نرى الإنسان يتناول طعامه بتصنيعه بالشكل الذي يتناسب مع ذوقه ورغبته ، فيعدل
فيه ويحور ويخترع أصنافا جديدة منه ، بمزج أنواع عديدة ، وبمقادير مركزة ومحددة ،
مستعملا في ذلك إضافة إلى عقله وحسه ، ما يبتكره من آلات ومواد .
أضف إلى ذلك كله ، أن للحيوان سلوكا واحدا مكرورا ، في كيفية تناوله لطعامه ، فهو
اما أن يتناوله بطريق الرعي دائما ، أو عن طريق التقطيع بأنيابه ومخالبه ، أو مخالبه
فقط ، أو بطريق الازدراد بلا مضغ ولا تقطيع ، أو غير ذلك باختلاف الحيوان .
في حين ان الإنسان ليس له سلوك معين في مقام تناوله الطعام . فليس يختلف فرد عن فرد
في سلوكه نحو الطعام فحسب ، بل يختلف الفرد الواحد ما بين مرة ومرة وحالة وحالة فهو
تارة معجل يأكل طعامه نهشا . وتارة مستلق يأكل على مهل وروية . وتارة يتأنق فيه
تأنقا ، فيأكل بأدوات أنيقة وصحاف مزخرفة وعلى مائدة منسقة ، بعد عناية زائدة بالغسل
والإعداد ، وطريقة التقديم .
ومن ناحية أخرى ، فإن الحيوان إنما يكف عن الطعام بدافع غريزي محض من دون وعي ولا
إدراك ، في حين نجد لدى الإنسان الضابط المدرك والواعي الذي يجعل لديه القدرة على
التحكم في نفسه من حيث تناول طعامه ، حتى يصل حد التخمة ، أو يصوم عنه حتى يصل حد
الهلاك .
ومن جهة خامسة ، نجد أن الحيوان يتوجه نحو طعامه بشكل غريزي ، ويتناوله بشكل غريزي ،
ويكف عنه بشكل غريزي أيضا بلا هدف واع ولا مدرك .
في حين أن للإنسان من وراء تناوله للطعام ، هدفا واضحا .
دراسات في العقيدة الإسلامية — صفحة 123
مساهمون: محمد جعفر شمس الدين
ص١٢٣