تصحيح بعض المعتمدين في علم الرجال ربّما يكون أقوى من الظنّ الحاصل من
أخبار اجتهاده - خصوصاً إذا لم يكن ذا مَلَكة ، أو لم تكن له سليقة مستقيمة ، سيّما إذا لَزِمَ
العُسْر والحرج ، وسيجيئ بيانه إن شاء الله تعالى - .
وجماعة من المحقّقين قالوا بعدم جواز الاكتفاء بالظنّ الحاصل من تصحيح الغير
- وإن كان ذلك الغير ممّن يُعتمد على قوله - بمعنى أنّ كلّ مجتهد لابُدَّ له في العمل
بالأخبار من ملاحظة سندها ؛ بالرجوع إلى علم الرجال ، فلا يكفي تصحيح الغير - ولو
كان معتمداً لبعض آخَر - بناءاً على أنّ الأصل تحصيل العلم ، أو ما في حكمه - عند
تعذّره - وهو ما يقوم مقامَه من الشهادة والرواية ، وتصحيح الغير لا يحصل منه العلم ،
ولا يكون خبراً ، لِما ذكرناه سابقاً [ من ] أنّه يكون نقشاً لا لفظاً ، وأنّ قبول التصحيح من
الغير موقوفٌ على عدم معارضة الجرح والتضعيف ، ولا يتحقّق ذلك بمجرّد وصف
الحديث بالصحّة ، فلا تتحقّق التزكية .
ولا بدّ من تعيين الراوي ، وهو إنّما يتحقّق بعد مراجعة السند ، والنظر في حال رواة
سلسلة السند حتّى يؤمن ويطمئنّ من معارضة الجرح .
فلا يعمل بكلّ خبر قبل الفحص عن أحوال سنده ، والبحث عن معارضه ، كالعمل
بالعام قبل الفحص عن مخصّصه ، وهو المعتمد .
فإن قلت : إذا كان بناء العمل على الظنّ ؛ فلا وجه للمنع ، لحصوله بمجرّد تصحيح
الغير ، سيّما إذا كان ذلك الغير ممّن يعتمد على قوله في ذلك الظنّ ، لكونه ماهراً ، إذ ربّما
يكون الظنّ الحاصل من تصحيح بعض المعتمدين أقوى من الظنّ الحاصل باجتهاده .
قلت :
أوّلا : أنّ المعتبر هو الظنّ الحاصل بعد الفحص ، فيكون باقياً ثابتاً - ولو بعد
ملاحظة الاختلافات بحسب الأقوال والقرائن - .
وأمّا الظنّ الحاصل من تصحيح الغير - إذا لو حظ اختلاف العلماء في كثير من
الرجال الذين يحتمل كون ما نحن فيه منهم احتمالا قويّاً - فيضمحلّ ذلك الظنّ البَدْويّ
رسائل في دراية الحديث — صفحة 280
مساهمون: أبو الفضل حافظيان البابلي
ص٢٨٠