على الاستحباب ولو لم نقل بأنه بعيد كما قلنا ، فدلالة الرواية على اعتبار عدم البعد
بين مسجد المأموم وموقف الامام تامة . بقي الكلام في الموثقة التي توهم معارضتها
للصحيحة ، وقد تقدمت الموثقة في جواز اقتداء النساء من داخل الدار وإن كان بينهن
وبين غيرهن جدار أو طريق الذي يبعد ان لا يكون بقدر مالا يتخطى حتى بين المسجد
والموقف . وقال المحقق الهمداني - قدس سره - : ان ظهور الموثقة في جواز البعد أقوى من
ظهور الصحيحة في الوجوب فتحمل على الاستحباب ، وفيه : مع أن الحمل على الاستحباب بعيد
عن الفهم العرفي كما مر ، وان الموثقة لا اطلاق لها من جهة البعد لعدم كونها في مقام
البيان من هذه الجهة ، ان الاقوائية ليست مناطا في الجمع العرفي بين الروايات بل
العرف حينئذ يرى المعارضة بين الصحيحة والموثقة ، فان المستفاد من الصحيحة حكم وضعي
وهو اعتبار عدم البعد بذلك المقدار في الجماعة ، والمستفاد من الموثقة عدم الاعتبار
وبينهما معارضة ، فلابد من العلاج ، والصحيحة ترجع على الموثقة من جهة السند أولا ومن
جهة موافقة الموثقة للعامة ثانيا ، فالأقوى هو الاعتبار بالحد المذكور ، ومما يدل على
الحكم والتفصيل بين الحد الاستحبابي والوجوبي صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على أن
أقل الحد مربض غنم وأكثره مربض فرس ( 1 ) .
فروع
الأول : لا فرق بين كون التباعد من أول الصلاة أو حصوله في أثنائها ويحكم ببطلان
الجماعة في الموردين فالشرط شرط ابتداء واستدامة ، وذلك لاطلاق الأدلة . نعم على
القول بحمل الصحيحة على الاستحباب وعدم كون التباعد بمقدار يخل بصدق مفهوم الجماعة
والاجتماع يشكل الامر في فرض الحصول في الأثناء ، فان الدليل على الاعتبار على هذا
المبنى ليس الا الاجماع والقدر المتيقن منه فرض كون التباعد في جميع الصلاة ، الا ان
يتمسك باطلاق معقد الاجماع ولا يتم ذلك بحسب الكبرى وان قلنا بتماميته بحسب الصغرى .
هامش
( 1 ) الوسائل : ج 5 ، باب 62 من أبواب صلاة الجماعة ، حديث 3