وأما الكبرى ، فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون ، ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح ، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما ، بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك ولو لم يستقل بالتحسين والتقبيح ، مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه ، إذا قيل باستقلاله ، ولذا أطبق العقلاء عليه ، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح ، فتدبر جيدا ( 1 ) .
شرح
المصلحة أو للوقوع في المفسدة وكلاهما مفسدة ، ولذا جمعهما بقوله : ( ( أو الظن بالمفسدة فيها ) ) أي في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم .
ولما كان ذلك مبنياً على مذهب بعض دون بعض وهو مشهور العدلية أشار إلى ذلك بقوله : ( ( بناءاً على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد ) ) .
( 1 ) قد عرفت ان هذا الوجه مركب من صغرى وكبرى ، وقد عرفت الصغرى وهي كون الظن بالحكم مما يستلزم الظن بكون مخالفته ضرراً .
واما الكبرى : فهي استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون ، فالظن بالحكم ظن بالضرر والضرر المظنون يجب دفعه ، والناتج منهما وجوب دفع مخالفة الحكم المظنون ، ودفع مخالفته ليس الا بامتثاله فيجب اتباع الحكم المظنون ، وهذا معنى حجيّة الظن بالحكم ، وقد مرّ ذكر الوجه في الصغرى .
واما الوجه في الكبرى : وهي دعوى استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون فحاصله : ان ملاك استقلال العقل بذلك من طريقين :
الأول : انه أحد مصاديق قاعدة الحسن والقبح العقليين ، فان العقلاء بنوا على مدح فاعل بعض الأفعال وعلى ذم فاعل بعض الأفعال حفظاً للنظام وابقاءاً للنوع ، ونجدهم يذمون على ارتكاب الضرر المظنون ويمدحون على تركه ، فهذا المدح والذم في المقام هو الملاك لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون .
ولا يخفى ان الملاك لهذه القاعدة إذا كان الحسن والقبح العقليين فهو يتم عند من يقول بالحسن والقبح العقليين ، اما مثل الأشاعرة فلا يتم الاستدلال على وجوب دفع الضرر المظنون عندهم من هذه الجهة ، لأنهم لا يقولون بالحسن والقبح العقليين .
الثاني : ان الملاك لاستقلال العقل بوجوب دفع الضرر المظنون هو ان العاقل لا يقدم على الضرر المظنون ، بل من طبيعة كل ذي شعور هو الفرار من الضرر المظنون ، وهذا مما لا يختلف فيه أحد ، والعقلاء كلهم قد أطبق عملهم عليه بل هو من طبيعة كل ذي شعور ، فإنه بجبلته يفر عن الضرر المظنون .