هما دليلان حاكيان ، كي يقدم الأقوى منهما دلالة أو سنداً ، بل إنّما هو من باب تزاحم المؤثّرين والمقتضيين ، فيقدّم الغالب منهما وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه . هذا فيما إذا أُحرز الغالب منهما ، وإلاّ كان بين الخطابين تعارضٌ فيقدّم الأقوى منهما دلالة أو سنداً وبطريق الإنّ يُحرز به أنّ مدلوله أقوى مقتضياً . هذا لو كان كلٌّ من الخطابين متكفّلاً لحكم فعليّ ، وإلاّ فلابد من الأخذ بالمتكفّل لذلك منهما لو كان ، وإلاّ فلا محيص عن الانتهاء إلى ما تقتضيه الأُصول العمليّة ( 1 ) .
شرح
والثاني : من المطالب بيان ان تخصيص الأضعف بالأقوى في باب التزاحم لا يوجب رفع اليد عن الأضعف رأساً ، كما هو كذلك في باب التعارض فإنه يوجب سقوط المرجوح رأساً .
نعم في باب التزاحم يتقدم الأقوى ولكن إذا حصل ما يمنع عن العمل به كعذر النسيان والجهل لا مانع من العمل بالأضعف ويؤثر كما لو كان هذا الأضعف لا مزاحم له ، ويتكفل هذا المطلب الثاني قوله : ( ( ثم لا يخفى ) ) . . . إلى قوله ( ( وقد ذكروا لترجيح النهي وجوها ) ) وقد مر أيضاً مفصلاً في الأمر العاشر .
والمطلب الثالث : ذكر الوجوه النوعية التي ذكروها لترجيح مقتضي النهي على مقتضي الأمر في هذه المسألة ، يستعرضها بقوله ( ( منها ) ) .
فكان ينبغي التعرض في هذا الأمر للمطلب الثالث فقط لبناءاً هذا الكتاب على الاختصار . وعلى كلّ فلابد لشرح بعض عباراته لمزيد الايضاح .
( 1 ) لا يخفى ان القدر المشترك بين باب التعارض وباب التزاحم هو عدم امكان اجتماع الحكمين الفعليين فيهما .
ويفترق باب التعارض عن باب التزاحم :
أولا : بعدم احراز المقتضي للحكمين في باب التعارض سواء احرز كذب أحدهما أم لم يحرز ، وبإحراز المقتضي لكلٍ من الحكمين في باب التزاحم .