شرح
وأورد على تعريف الغيري بأنه غير مطّرد : أي غير مانع من دخول غير افراد المعرّف فإن الواجب الغيري الذي عرفوه : بأنه ما امر به لغيره يشمل الواجبات الغيرية ، كمقدمة الواجب فإنها امر بها لغيرها ، ويشمل الواجبات النفسية المذكورة التي خرجت عن تعريف الواجب النفسي فإنها قد امر بها لغيرها ، لما عرفت ان المطلوب والمحبوب في الحقيقة فيها هو اثارها لا هي بنفسها فيصدق عليها ما عرفوا به الواجب الغيري ، فلذلك عدل في التقريرات عن تعريف القوم وعرفهما بما ذكره في المتن وذكر له مقدمة : وهي انه لا اشكال ان الوجوب من غير داع محال لعدم الجزاف والتشهّي في الواجبات الشرعية فلابد وأن تكون لغرض وداع دعا إلى ايجابها ، والى هذه المقدمة أشار بقوله : ( ( وحيث كان طلب شيء وايجابه لا يكاد يكون بلا داع ) ) وحينئذ نقول إن الداعي إلى ايجاب الواجب ان كان هو التوصل به إلى واجب آخر لتوقف هذا الواجب الآخر عليه بحيث لولاه لا يحصل التوصل والتمكن منه فهذا الواجب غيري ، وإذا لم يكن الداعي إلى وجوب الواجب هو التوصل به إلى واجب آخر فالواجب نفسي ، سواء كان هذا الواجب النفسي محبوبا ومطلوبا لذاته كمعرفة الله أو كان محبوبا لما يترتب عليه من الفائدة والأثر الذي هو المحبوب في الحقيقة .
فتحصل مما ذكر : ان الواجب الغيري ما وجب للتوصل به إلى واجب آخر ، والواجب النفسي ما وجب لا لواجب آخر ( ( سواء كان الداعي ) ) إلى وجوب هذا الواجب ( ( محبوبية ) ) هذا ( ( الواجب بنفسه كالمعرفة بالله أو ) ) كان الداعي إلى وجوبه محبوبيته لا بنفسه بل ( ( بما له من فائدة مترتبة عليه كأكثر الواجبات من العبادات ) ) كالصلاة والزكاة والغسل والوضوء ، فإن الغرض من الزكاة تنمية الأموال والضمان الاجتماعي للفقراء ، والغرض من الغسل والوضوء هو النور المترتب عليهما والذي به تندفع ظلمة الحدث الأكبر والأصغر ، ومثلها ( ( التوصليات ) ) كالتطهير من الخبث وإزالة القذارة ودفن الميت وساير الواجبات الكفائية التي بها يحصل النظام الاجتماعي .