تصوّر التّعارض بينهما في الأحكام بعنوان الأصل الجاري في المسألة إن كان عقليّا محضا كالتّخيير بين الاحتمالين والبراءة والاحتياط على ما هو الحقّ عندنا المبرهن عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة من رجوع ما ورد فيهما في الشّرع من الأدلَّة النّقليّة إلى تأكيد حكم العقل بهما في مواردهما فلا إشكال في عدم تصوّر التّعارض بينه وبين الدّليل الموجود في مورده ضرورة ارتفاع موضوع حكم العقل فيها بوجود الدّليل وإن كان ظنيّا لأنّ الموضوع في التّخيير هو عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر وفي البراءة عدم البيان الواصل إلى المكلَّف من الشّارع بحيث يرجع العقاب معه إلى العقاب من دون حجّة من الشّارع وفي الاحتياط احتمال العقاب والمؤاخذة على الواقع المحتمل لا عدم العلم بالواقع والشّكّ فيه ومن المعلوم ضرورة ارتفاع تلك الموضوعات العقليّة بعد قيام الدّليل الشّرعي على الحكم في المسألة وهذا هو المراد من الورود في كلام شيخنا الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه العالي وإن أطلق عليه الحكومة في لسان غير واحد من المتأخّرين من جهة عدم الفرق عندهم بينهما ولا مشاحة ويطلق عليه التّخصّص في لسان شيخنا أيضا وإن كان التّخصّص عنده أعمّ من الورود من حيث شموله لما لا يشمل مورد الدّليل الآخر في نفسه وابتداء وإن كان منظورا فيه إلَّا أنّه لا مشاحة فالدّليل والأصل العقلي لا يجتمعان في مورد وموضوع واحد حتّى يتصوّر التّعارض بينهما وإن كان الأصل شرعيّا كالاستصحاب بناء على التّمسّك فيه بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك وعدم تنزيلها على صورة حصول الظَّن كما زعمه بعض إذ على التّمسّك فيه بالعقل يخرج عن الأصول ويدخل في الأدلَّة وإن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى غالب الأدلَّة الظَّنيّة فلا يتصوّر التّعارض بينهما من حيث كون دليل اعتبار الأمارة القائمة في المسألة شارحا لما أثبته الأصل ودلّ عليه ومفسرا له وحاكيا عنه من حيث دلالته على عدم الاعتناء باحتمال كونه مخالفا للواقع وترتيب آثار الواقع عليه فمؤدّاه واقع بنائي بمقتضى دليل اعتباره فكلَّما ترتّب شرعا على احتمال مخالفة الدّليل
للواقع لولا اعتباره وهو الرّجوع إلى الأصل يحكي دليل اعتباره عن كونه ملغى في نظر الشّارع كما يدلّ على ترتيب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على الواقع على مؤدّى الأمارة فهو بمنزلة الواقع كما أنّ الاحتمال بمنزلة عدمه في حكم الشّارع فيكون دليل اعتبار الأمارة ناظرا إلى دليل الأصل وشارحا عنه وهذا هو المراد بالحكومة ولا يعتبر فيها تأخّر الحاكم عن المحكوم كما ربما يتوهّم من بيان شيخنا في الكتاب ومن المعلوم أنّ الحاكم بالمعنى المذكور لا يعدّ في العرف معارضا للمحكوم ومنافيا له فيكون تقدّمه عليه في نظر العرف تقدّما ذاتيا لا لمكان التّرجيح وإن كان أضعف الظَّنون المعتبرة ومن هنا يقدّمون ما دلّ على نفي الحرج والضّرر على أدلَّة الأحكام من غير ملاحظة تعارض وترجيح وهذا يكشف عن التّقدّم الذّاتي وإن زعم بعض خلاف ما ذكرناه هذا فيما كان الدّليل ظنّيّا ولو كان قطعيّا فتقديمه على الأصل من باب الورود مطلقا
ثمّ إنّ الحكومة بالمعنى المذكور إنّما هو فيما لوحظ فيه حال الدّليلين وإلَّا فالحكومة قد توجد بين فردين من جنس واحد كالاستصحابين في الشّك السّببي والمسبّبي فلا يكون هناك دليلان يكشف أحدهما عن الآخر كما هو ظاهر
ثمّ إنّ افتراق الحكومة عن الورود لا يكاد يخفى على أحد وأمّا افتراقها عن التّخصيص فيما كان الخاصّ ظنّيّا من جميع الجهات فإنّما هو في مجرّد التّرتّب والتّعبير وإلَّا فهو تخصيص في المعنى ورافع لحكم الموضوع واقعا ومن هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلَّامة في الكتاب أنّها تخصيص في المعنى بعبارة التّفسير فكلامه هذا منزّل على الخاصّ الظَّني من جميع الجهات حتّى لا ينافي ما يفيده بعد ذلك في شأن العامّ والخاصّ فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلَّه أنّ الدّليل والأصل لا يتصوّر التّعارض بينهما في الشّبهة الحكميّة وإن كان الدّليل ظنّيّا وهذا يقال علي سبيل الموجبة الكلَّيّة وأمّا الأدلَّة الظَّنية بعضها مع بعض والأصول كذلك فقد يوجد بينهما الورود كما أنّه قد يوجد بينهما الحكومة فيما إذا كان أحدهما تنجيزيّا والآخر تعليقيّا كما في العام والخاصّ مثلا فإنّ أصالة العموم معتبرة فيما إذا لم يكن هناك قرينة على التّخصيص كما هو الشّأن
في جميع الظَّواهر فإنّها مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف فإن كان الخاصّ قطعيّا من جميع الجهات فيكون واردا على أصالة العموم كما هو شأن القرينة القطعيّة بالنّسبة إلى جميع الظَّواهر فإنّها تعليقيّة بأسرها وإن كان قطعيّا بحسب الدّلالة وظنّيّا بحسب الصّدور فيكون حاكما على أصالة العموم بالنّظر إلى دليل اعتبار صدوره فإنّ مقتضاه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور والرّجوع إلى أصالة العموم والبناء على عدم القرينة لولا دليل التّعبّد بالصّدور فيكون الدّليل المذكور شارحا لما دلّ على اعتبار أصالة العموم فلا يكون الخاصّ معارضا للعام إلَّا فيما كان ظنّيّا بحسب الدّلالة كالعام وإن كان راجحا عليه إذا لوحظا بأنفسهما من غير ملاحظة الخصوصيّات وإلَّا فقد يكون العام أقوى دلالة من الخاصّ بملاحظتها كما ستقف على شرح القول فيه هذا وفي الكتاب جعل النّص الظَّني الصّدور واردا أيضا على أصالة العموم إذا كان مستند اعتبار أصالة العموم الظَّن النّوعي بإرادة الحقيقة الحاصل من الغلبة من حيث استظهار تقيّد اعتباره
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 6
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦