تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فيما بأيدينا من كتاب اللَّه والسّنة وكتب الأخبار والفتاوى من العامّة والخاصّة ولا يعتبر تحصيل العلم بعدمه بل ربما يكون ممنوعا من جهة تأديته إلى سدّ باب استنباط غالب الأحكام كما لا يخفى وإن كان الأولى بل الأحوط الاقتصار على العمل بما يحتمل رجحانه بخصوصه بل لو عمل على هذا الوجه من أوّل الأمر فيما احتمل رجحان أحدهما بالخصوص سقط الفحص عنه لكونه مطلوبا بالعرض لا بالذّات قوله : التّرجيح تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى إلخ أقول : التّرجيح في اللَّغة والعرف جعل الشّيء راجحا وقد اختلفت كلماتهم في المراد منه فعن الأكثر هو اقتران الأمارة بما يتقوّى على معارضها وعن بعض تبعا لشيخنا البهائي في الزّبدة وتلميذه الشّارح في شرحها أنّه تقديم إحدى الأمارتين على الأخرى لمزيّة من المزايا وهذا التّعريف كما ترى أنسب بالنّسبة إلى المعنى اللَّغوي والعرفي ولذا اختاره شيخنا العلَّامة قدس سره ونوقش في الأوّل كما عن شرح الزّبدة وغيره بأنّ مقتضى وضع التّرجيح كونه فعل المجتهد لا صفة الأمارة وأجيب عن المناقشة بأنّ التّعريف مبنيّ على الاصطلاح ولا مشاحة فيه مضافا إلى مناسبته للتّعارض والتّعادل فإنّهما صفتان للأمارة والأمر في ذلك سهل إنّما المهمّ التّكلَّم فيما رتّبه من المقامات قوله : ويدلّ على المشهور مضافا إلى الإجماع المحقّق إلخ أقول : قيام الإجماع بقسميه على وجوب التّرجيح في الجملة وكذا دلالة الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى أو إجمالا عليه ممّا لا شبهة تعتريه ولا إشكال فيه أصلا أمّا قيام الإجماع فظاهر بعد عدم الاعتناء بمخالفة من ذهب إلى القول بإيجاب التّرجيح كالسّيّد الصّدر بل لو ادّعي إجماع المسلمين عليه نظرا إلى عدم قدح مخالفته مثل الجبائيين كان في محلَّه وأمّا دلالة الأخبار فلأنّ ظهورها غاية الظَّهور بنفسها في وجوب التّرجيح ممّا لا يقبل الإنكار ولا يعارضها أخبار التّخيير بعد تسليم كونها في مقام الإطلاق والبيان بعد كون التّقييد أولى من المجاز مضافا إلى شواهد وقرائن فيها من التّعليلات وغيرها يمنع من الجمع بالحمل على الاستصحاب هذا مضافا إلى أنّ الاستصحاب لا مناسبة له في باب الطَّريق كما هو ظاهر وأمّا وهن الظَّهور بما زعمه السيّد من تعارض أخبار التّرجيح بعضها مع بعض من وجوه فيحمل على الاستصحاب فموهون بما سنوقفك عليه إن شاء اللَّه تعالى من عدم التّعارض بينها أصلا وإن زعمه غير واحد منهم المحقّق القمّي قدس سره وجعله دليلا على حجّيّة مطلق الظَّنّ في باب التّرجيح بل مطلقا كما ستقف عليه إنّما الإشكال فيما أفاده من اقتضاء الأصل لذلك مع أنّ الثّابت عنده كما صرّح به مرارا في أجزاء الكتاب ويعترف به بعد ذلك وعندهم اقتضاء الأصل عدم التّرجيح كما أنّ مقتضاه عدم الحجّيّة وقد أطال الكلام في تحرير المقام بما لا يخلو عن مناقشات نشير إلى بعضها مع أنّ تأديته كانت ممكنة بتحرير مختصر مفيد نقيّ عن الإشكال فإنّه بعد البناء على الطَّريقيّة في حجّيّة الأخبار والغضّ عن لزوم تقييد إطلاق أخبار التّخيير وتسليم دوران الأمر بين التّقييد وتصرّف آخر يبقى معه الإطلاق كحمل أوامر التّرجيح على الاستصحاب من غير ترجيح بين التّصرفين كما هو مبنى الرّجوع إلى الأصل أمكن تحرير المدّعى بأنّ حجّيّة الرّاجح قطعيّته في الفرض وإنّما الشّك في حجّيّة المرجوح فعلا وإن كان حجّة شأنا والأصل المقرّر في هذا الشّك بالأدلَّة الأربعة عدم الحجّيّة كما هو الأصل المقرّر عند الشّك في الحجّيّة الشّأنيّة من غير فرق بينهما إلَّا أنّه قدّس اللَّه نفسه الزّكيّة أراد تحرير المقام على كلّ وجه وبسط الكلام على كلّ قول تشريحا للمطلوب وترغيبا للطَّالب فلا بدّ من اقتفاء أثره فنقول : إنّ الدّوران قد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين كالوجوب والتّحريم مع رجحان أحدهما وقد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطَّريقيّة في اعتبار الأمارات المتعارضة مع عدم مطابقة أحد المتعارضين للأصل مع فرض مزيّة لأحد المتعارضين مع قطع النّظر عن أخبار التّخيير الواردة في علاج تعارض الأخبار أو فرض الكلام في تعارض سائر الأمارات وقد يفرض في موارد تزاحم الواجبين ومنه تعارض الأمارتين على القول بالسّببيّة وإن تقدّم فساده بما لا مزيد عليه وقد يفرض في موارد التّخيير الشّرعي في الواجبات الشّرعيّة الفرعيّة كالدّوران في خصال الكفّارة مثلا فالكلام يقع في مواضع أربعة الموضع الأوّل في دوران الأمر في موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين حكما أو موضوعا كدوران الأمر بين الواجب والحرام مع رجحان أحدهما فنقول : إنّ لزوم الأخذ بالرّاجح منهما إذا لم يكن مظنونا بظنّ معتبر من حيث الخصوص مبنيّ على مقدّمات دليل الانسداد وإن كانت النّتيجة التّبعيض في الاحتياط على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة وإلَّا فالرّاجح والمرجوح متساويان في حكم العقل بعد قيام الدّليل القطعي على حرمة العمل بغير العلم فإنّ مرجع الأخذ بالرّاجح في الفرض إلى حجّيّة الظَّن مع عدم دليل عليها بالفرض ومنه يظهر الكلام في الموضع الثّاني وهو دوران الأمر في التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطَّريقيّة في الأمارات مع عدم أصل على طبق أحد المتعارضين حيث إنّه مع وجوده يتعيّن الرّجوع إليه ولا مورد للتّخيير حينئذ وممّا ذكرنا يظهر ما في الكتاب من التّشويش في
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 37 | ميرزا محمد حسن الآشتياني